بيان حقوقي دولي حول انتفاضة شعبان 1991 في العراق ( في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني)
- اليوم, 17:44
- العراق
- 20 مشاهدة
"Today News": بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
سورة إبراهيم: 42
في الخامس عشر من شهر شعبان 1411هـ / الاول من آذار 1991م، شهد العراق انتفاضة شعبية واسعة النطاق عُرفت بـ انتفاضة شعبان، مثّلت ممارسة جماعية مشروعة لحق الشعب العراقي في الاحتجاج السلمي، وحقه في تقرير مصيره ومقاومة الاستبداد، كما هو مكفول في قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان.
لقد شاركت في هذه الانتفاضة جماهير واسعة من أبناء الجنوب والوسط العراقي، بما في ذلك البصرة والناصرية وكربلاء والنجف والديوانية والحلة ومدن أخرى، كما امتدت إلى إقليم كردستان العراق حيث خرجت تظاهرات شعبية واسعة، وواجهت جميعها ردًا قمعيًا عنيفًا من قبل نظام حزب البعث البائد بزعامة الطاغية صدام حسين.
ورغم الطابع الشعبي والسلمي للانتفاضة في جوهرها، فإن المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان آنذاك أخفقت في توفير الحماية اللازمة للمدنيين، في إخلال واضح بالالتزامات الأخلاقية والقانونية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة (1) التي تؤكد تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
في المقابل، شنّ النظام الحاكم حملة قمع شاملة وواسعة النطاق، ارتُكبت خلالها انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفق تعريف المادة (7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تمثلت في:
•الإعدام الجماعي لعشرات الآلاف من المدنيين والمنتفضين دون محاكمة عادلة، في انتهاك صارخ للمادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
•الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، في مخالفة للمادتين (7) و(9) من العهد ذاته، ولـ اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984؛
•فرض العقاب الجماعي على عوائل المنتفضين، في انتهاك لمبدأ المسؤولية الفردية في القانون الدولي.
كما أقدم النظام على قصف العتبات المقدسة في كربلاء، مستهدفًا مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) ومرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وغيرها من المساجد والجوامع والحسينيات، وهو ما يشكل انتهاكًا جسيمًا لـ اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية والدينية لعام 1954، وللقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف دور العبادة.
وامتدت الجرائم لتشمل أهوار العراق في الوسط والجنوب، حيث استخدم النظام الطيران والقوة العسكرية لتدمير مناطق مدنية مأهولة، وقتل وتهجير سكانها، وتدمير بيئتهم الطبيعية بشكل ممنهج، في انتهاك لحق الحياة، وحق السكن، وحق البيئة السليمة، المكفولة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا سيما المواد (3) و(25).
وقد جرت هذه العمليات في ظل سماح القوات الأميركية آنذاك لطائرات النظام باستخدام الأجواء العراقية، وهو ما يثير تساؤلات قانونية جدية بشأن الالتزام بمبدأ حماية المدنيين، وعدم الإسهام أو التواطؤ غير المباشر في ارتكاب انتهاكات جسيمة، وفق قواعد المسؤولية الدولية للدول.
إن انتفاضة شعبان 1991 تمثل حالة موثقة لانتفاضة شعبية قمعت باستخدام القوة المفرطة، في غياب الحماية الدولية، وفي ظل صمت أسهم في تضاعف حجم الجرائم. وعليه، فإننا نؤكد على المطالب التالية:
1.الاعتراف الدولي بما جرى كجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم؛
2.حفظ ذاكرة الضحايا ومنع طمس الحقيقة أو تزييف التاريخ؛
3.دعم مسارات العدالة الانتقالية والمساءلة القانونية؛
4.ضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية.
إن العدالة لضحايا انتفاضة شعبان ليست مطلبًا وطنيًا فحسب، بل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا دوليًا.
الرحمة والخلود لشهداء انتفاضة شعبان المجيدة،
والإنصاف لضحايا المقابر الجماعية،
والسلام لشعب العراق وحقه الأصيل في الحرية والكرامة.
الدكتور وليد الحلي
الأمين العام
مؤسسة حقوق الإنسان
في العراق
15 شعبان 1447
4 شباط. 2026