الصيام .. منهج رباني لإحياء الضمائر الحية وتعزيز صحة الصائم
"Today News": بغداد
الملخص
لا يُعد صيام شهر رمضان مجرد شعيرة تعبدية قوامها الإمساك، بل هو عبادةً ذات أبعاد تكاملية تجمع بين التزكية الروحية، والتهذيب السلوكي، والفوائد الصحية المثبتة علميًا، كما أنه منظومة إحياء شاملة صممتها الحكمة الإلهية لترميم الكيان البشري. يتداخل في هذه الفريضة الصفاء الروحي، والتقويم السلوكي، والحيوية للجسد، مما يوجد إنساناً متزناً قادراً على قيادة ذاته وصناعة واقعه وفق دراسات طبية وروحية متضافرة.
أولًا: التقوى كمنطلق للإصلاح
شرع الله تعالى الصيام لتحقيق غاية عليا تتمثل في التقوى، وبناء الإنسان القادر على ضبط شهواته وتوجيه سلوكه وفق منظومة أخلاقية متكاملة، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
ولا يقتصر الصيام على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو نظام شامل لإصلاح النفس والجسد والعقل، وهو ما تؤكده المعارف الطبية الحديثة.
ثانيًا: الصيام منهج رباني لإحياء النفس وتدريب الإرادة
يسهم الصيام في تزكية النفس وضبط الغرائز الإنسانية، من خلال تدريب الإنسان على الصبر، وقوة الإرادة، ومراقبة السلوك. كما يعمل على تهذيب الجوارح، وربط السلوك الظاهر بالإيمان الباطن، بما يحقق الاستقامة الفردية والتوازن المجتمعي.
وقد أكدت السنة النبوية الشريفة أن الصيام عبادة خاصة ذات أجر عظيم، لما تحققه من انضباط نفسي وأخلاقي.
ثالثًا: النهضة العقلية والصفاء الذهني
تشير الدراسات العصبية إلى أن الصيام يعزز الصحة العقلية من خلال تقليل مستويات التوتر والقلق، وتحسين المزاج العام. ويعود ذلك إلى التوازن الهرموني الذي يحدث أثناء الصيام، لا سيما انخفاض هرمونات التوتر، وتحفيز إفراز مواد كيميائية دماغية مرتبطة بالاستقرار النفسي.
كما ثبت أن الصيام يزيد من مرونة الدماغ وقدرته على التكيف، ويحسّن الذاكرة والانتباه، مما ينعكس إيجابًا على الأداء الذهني والسلوكي.
رابعًا: الصيام وتنظيم التمثيل الغذائي
من الناحية الطبية، يؤدي الامتناع المنظّم عن الطعام إلى:
•تحسين حساسية الجسم للأنسولين.
•تنظيم مستويات السكر في الدم.
•تحويل مصدر الطاقة من الكلوكوز إلى الدهون المخزنة، مما يساعد على تقليل السمنة وضبط الوزن.
ويُعدّ هذا التنظيم الذاتي أحد أهم أسباب اعتبار الصيام وسيلة وقائية من أمراض السكري واضطرابات الأيض.
خامسًا: الصيام وصحة القلب والجهاز الدوري
أثبتت الأبحاث أن الصيام في شهر رمضان يسهم في خفض الكوليسترول الضار والدهون الثلاثية، وتحسين ضغط الدم، مما يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين.
ويُلاحظ أن الأفراد الذين يلتزمون بنظام غذائي متوازن في رمضان يحققون فوائد قلبية واضحة دون آثار جانبية سلبية.
سادساً: الصيام وتجديد الخلايا وإزالة السموم
يحفّز الصيام عملية «الالتهام الذاتي» (Autophagy)، وهي آلية حيوية تقوم فيها الخلايا بالتخلص من المكونات التالفة والسموم، وتجديد بنيتها الوظيفية.
كما يمنح الصيام الجهاز الهضمي فترة راحة ضرورية، تساعد على تجديد خلاياه وتحسين كفاءته، مما ينعكس على صحة الجسم العامة وحيويته.
سابعاً: الصيام تعزيز المناعة والوقاية الاستباقية
يصدق في الصيام قول النبي ﷺ: «صُومُوا تَصِحُّوا»؛ فالأبحاث تؤكد أن الصيام الدوري يجدد كفاءة الخلايا المناعية ويقلل الالتهابات المزمنة، مما يرفع من جاهزية الجسم للتصدي للأوبئة والأمراض، ويجعله في حالة استنفار إيجابية للدفاع عن الصحة.
تشير بحوث علمية إلى أن الصيام الدوري قد:
•يحفّز تجديد بعض الخلايا المناعية
•يقلل الالتهابات الجهازية
•يحسن استجابة الجسم المناعية
وقد بينت أبحاث منشورة في Cell Stem Cell أن فترات الصيام قد تحفّز تجدد الخلايا الجذعية المكونة للدم (Cheng et al., 2014).
ثامناً: البعد المقاصدي والتكاملي بين الوحي والعلم
يتضح من العرض السابق أن الصيام لا يقتصر على البعد التعبدي، بل يحقق:
•ضبط السلوك (البعد الأخلاقي)
•إعادة التوازن الأيضي (البعد الفسيولوجي)
•تعزيز الاستقرار النفسي (البعد العصبي)
•تقوية المناعة (البعد الوقائي)
وهذا التكامل يعكس حكمة التشريع الإسلامي في بناء الإنسان المتوازن، حيث تتلاقى المقاصد الشرعية مع سنن الخلق.
تاسعاً: الصيام وبناء الإنسان المتوازن
إن اجتماع الأثر الروحي، والنفسي، والصحي للصيام يجعل منه أداة فريدة لبناء الإنسان المتوازن، القادر على ضبط ذاته، وتحقيق الانسجام بين الجسد والعقل والروح. ويغدو شهر رمضان فرصة سنوية لإعادة برمجة السلوك الفردي والجماعي على أسس أخلاقية وصحية سليمة.
عاشراً: الصيام نهج رباني متكامل لإحياء الجسد والنفس والسلوك للفرد والمجتمع
يؤكد التحليل الشرعي والطبي للصيام في شهر رمضان أنه ليس مجرد فريضة تعبدية، بل نهج رباني متكامل لإحياء الجسد والنفس والسلوك للفرد والمجتمع لحياة أفضل، وإصلاح الجسد، وبناء الإنسان المتوازن.
ومن هنا تتجلى حكمة التشريع الإسلامي في سبقها العلمي والإنساني، وجعلها الصيام وسيلة للارتقاء الفردي والاجتماعي في آنٍ واحد.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) الأنفال 24.
وليد الحلي
أواخر شعبان 1447
17 شباط 2026
2-02-2026, 10:46 إعلام عبري يكشف شروط ترامب "الخمسة" على ايران
اليوم, 10:47 الصيام .. منهج رباني لإحياء الضمائر الحية وتعزيز صحة الصائم
د. وليد الحليأمس, 11:13 كيف يقرأ العراقيون المخاطر ؟
ابراهيم العبادي9-02-2026, 10:42 رجل السياسة في العراق .. أزمة التكوين ومعضلة الدولة
ابراهيم العبادي5-02-2026, 14:50 فضيحة إبستين .. هل تُسقط ترامب كما أسقطت ليفنسكي كلينتون؟
د.رعدهادي جبارة