لماذا نطلق لقب الفيلسوف على محمد باقر الصدر !!؟
"Today News": بغداد
دعوني اعترف اولا أني كنت اطلق على الصدر فليسوف قبل ثلاثة عقود تقريبا في خُطب الاحتفالات التي تؤبته او في المقالات التي كتبتها كانت بعاطفة ، بانفعال اكثر من أن تكون وعياً ومعرفة تامةً برؤيته في الوجود ،في دور الانسان وعلاقته بالمجتمع المنظم او الدولة بتعريفها السياسي الحديث ، كنت اعلم ان لديه كتبا فيها فلسفة واطلعت عليها لكني لم اكن اعي المعنى الحقيقي للقب ، أو لفلسفة الصدر .
و ما أود قوله هنا أنني لا يمكن إدراج محمد باقر الصدر في خانة الفقيه أو المفكر الديني وحدها، فهذه التصنيفات، على أهميتها، لا تستوعب طبيعة المشروع الذي قدّمه ولا البنية التي تحكم (الصدر الفيلسوف ) بالمعنى الدقيق للكلمة، لأن تفكيره يتحرك داخل رؤية كليّة للوجود ، علم الوجود ، ورؤيته للمعرفة فيما يطلق عليه بنظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) ، ورؤية للإنسان (الأنثروبولوجيا) . هذه الرؤى ليست وحدات منفصلة، بل تتشابك في نسيج واحد تتوزع عليه كل أعماله وتخرج لنا رؤية شاملة للكون ودور الانسان فيه .
ينطلق الصدر( رض) من أصل توحيدي فالواحد — الله الخالق — هو أساس الوجود كلّه. وهذه الرؤية لا يبنيها من خلال علم الكلام واصول الدين فقط ، بل على أساس فلسفي يحدد طبيعة العالم، ومعنى الإنسان، واتجاه التاريخ.
فالوجود عند الفيلسوف الصدر وحدة تتجه نحو غاية، وليست تعدداً بلا رابط. وفي قلب هذه الوحدة يقف الإنسان بوصفه خليفة الله سبحانه وتعالى في الأرض.
والخلافة عنده هي فلسفة وجود الانسان من خلال تحديد موقعه ، ومن ثم يعرفه دوره التي تحدد حركته المسؤولة .
ومن هذا الأصل التوحيدي تتفرع بقية الطبقات العقل، والأخلاق، والتاريخ، والمجتمع المنظَّم ( الدولة )
فالعقل عند الصدر ليس خصماً للوحي ولا تابعاً له ( عقل معطل ) بل شريك في كشف الحقيقة.
فالعقل يبرهن، والوحي يوجّه، والتاريخ مجال الفعل الإنساني الحرّ و هذا يحدد دوره في التاريخ كفاعل رئيس في السنن ( الاجتماعية والتاريخية ) .
ولهذا بنى الصدر منهجه العقلي على الاستقراء و نظرية الاحتمالات ، لا بوصفهما أدوات منطقية فحسب، بل بوصفهما آليات لفهم العالم داخل نسق توحيدي يربط بين المعرفة والغاية..
التجربة والضرورة الاحتمالية من الواقع الى المعنى :-
لم يكن الصدر ينظر إلى التجربة بوصفها طريقاً مكتفياً بذاته للمعرفة، ولا كان يقدّم الضرورة الاحتمالية بديلاً عنها، بل كان يرى في الاحتمال الكشف الفلسفي عن الهدف الحقيقي للتجربة. فالتجربة عنده تُظهر الوقائع ، لكنَّ العقل هو الذي يمنح هذه الوقائع معناها، ويحوّل التكرار إلى قانون، والملاحظة إلى معرفة ، ومن هنا جاءت الضرورة الاحتمالية لتفسّر لماذا تمنحنا التجربة اطمئناناً، وما الذي يجعل الباحث يثق بأن النتيجة ليست صدفة، بل لها أساس عقلي. فالاحتمال عند الصدر ليس رقماً، بل جسر بين التجربة والعقل، يكشف البنية المنظمة للوجود، ويمنح الباحث الطمأنينة التي يبحث عنها في طريقه إلى الحقيقة. وبهذا يصبح الاستقراء عنده منهجاً عقلياً توحيدياً، يرى في التجربة نافذة على نظام كوني هادف، لا مجرد تكرار ميكانيكي للظواهر.
الإنسان في قلب الوجود:-
ومن هذا التعريف للإنسان تتولد رؤيته للأخلاق، ثم للمجتمع المنظَّم — أو الدولة — بوصفها تنظيماً لحركة الإنسان–الخليفة نحو العدل والهداية. فالنظام السياسي عنده ليس باباً منفصلاً، بل الطبقة الأخيرة في بناء يبدأ من تعريف الوجود وينتهي بتنظيم الفعل الإنساني في التاريخ.
قراءة الصدر (رض) :-
لا يمكن قراءة الصدر قراءة تجزيئية:
لا تُفهم “المدرسة القرآنية” دون “اقتصادنا”،
ولا “اقتصادنا” دون رؤيته الميتافيزيقية،
ولا دستور الدولة الاسلامية دون فلسفتنا
ولا رؤيته السياسية دون منهجه العقلي،ودور الامام والغيبة فيه ، ولا يمكن تقديم منهجه العقلي
دون ان نقرأ تعريفه للإنسان.
ومن هنا لايمكن أن تقرأ الصدر من زاوية واحدة فهو متعدد الواجهات تنتج لنا رؤية متكاملة عن فلسفة الصدر .
وكل نص من نصوصه يكشف جانباً من هذا النسق، لكنه لا يكتمل إلا بقراءة الكل. وهذا هو المنهج الذي ينبغي اتباعه مع أي فيلسوف: قراءة الرؤية قبل التفصيل، والنسق قبل النص، والإنسان قبل النظام.
عندما تتحول الفلسفة إلى وجود:-
لم ينفصل الصدر عن الصدر الفقيه، والفقيه لم ينفصل عن المجاهد ، وقارئ التاريخ بسننه يعلم ماهي واجبات الحاضر وأين يكون موقع العقل في منطقة الفراغ .
. هذه الأبعاد لم تكن تميز احداها عن الاخرى في شخصيته، بل كانت تتداخل في نسيج واحد جمعه في فلسفة صاغها بعقل متفرّد. هذه الفلسفة لم تبقَ نصاً أو تنظيراً، بل جسّدها عملياً في كل مراحل وجوده، منذ اللحظة التي وعى فيها مسؤوليته — على حدّ تعبيره — حتى صارت حركته كلها فلسفة حيّة تُوّجت باستشهاده. وهكذا، يصبح الصدر مثالاً نادراً لفيلسوف لم يكتب فلسفته فقط، بل جسّدها في حياته وسلوكه حتى النهاية، فغدت حياته برهاناً على صدق رؤيته، لم تكن هناك جوانب مشرقة واخرى سيئة في حياته كما نرى في بعض الفلاسفة والمفكرين عندما يقوم التاريخ بتقليب صفحات الذاكرة فيظهر ماهو مخبوء .
كان الصدر سلوكاً فلسفيا، وفيلسوفا يتحرك وفق رؤيته المعرفية ، وكل ذلك لم يمنعه بل دفعه للتعجيل بقرار الشهادة التي يتمناها .
كانت حركته نسق فكري متصاعد متمرد على البيئة مطيعاً لخالقه مسرعاً الى ذلك اللقاء وهو مصر على ذلك .
5-04-2026, 14:08 تضارب الأنباء بين طهران وواشنطن بشأن إنقاذ طيار أمريكي في عمق إيران
3-04-2026, 14:46 بعد 23 عاماً من الجفاف .. الامطار تعيد ل"سدة الصدور" رونقها السياحي
اليوم, 13:23 لماذا نطلق لقب الفيلسوف على محمد باقر الصدر !!؟
عبدالأمير الهماشي4-04-2026, 00:26 السيادة الرقمية في العراق: من الاعتماد الهش إلى الاستقلال السيبراني
د.محمد عصمت البياتي1-04-2026, 15:34 تمسّكنا بعليٍّ كي لا يضيعَ منّا محمدٌ معنىً ومنهجًا ورسالة
د.عمار رياض لفتة31-03-2026, 23:11 المواطن بين اهمال الحكومة له وبين استغلال الخطوط الجوية الاجنبية
د. صلاح عبد الرزاق