العراق بعد الحرب… استحقاقات الدولة في زمن الاستقطاب
"Today News": بغداد
لم تنتهِ الحرب الإيرانية–الأمريكية–الإسرائيلية عند حدود نتائجها العسكرية، بل فتحت مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا بالنسبة للعراق، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب صراع إقليمي ودولي تتجاوز تداعياته قدرته الذاتية على التحكم بمساراته. فالدول التي تمتلك مؤسسات قوية تستطيع امتصاص الصدمات الخارجية وتحويلها إلى فرص، أما الدول الهشة فإنها تصبح الساحة التي تُستكمل عليها الحروب بعد توقف إطلاق النار. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم.
أول هذه التحديات هو التحدي المالي. فتعطل القدرة على استعادة تصدير النفط بالمستويات السابقة، وتراجع الإيرادات العامة، يضعان المالية العامة أمام اختبار بالغ الخطورة، خصوصًا وأن بنية الموازنة العراقية ما تزال تعتمد بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية لتمويل الإنفاق التشغيلي الذي يستنزف معظم الموارد. وإذا لم تُستعد القدرة التصديرية سريعًا، أو تُتخذ إجراءات مالية واقتصادية استثنائية، فإن الحكومة ستواجه صعوبة متزايدة في الوفاء بالحد الأدنى من التزاماتها، الأمر الذي قد ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والسياسي معًا.
وفي الوقت نفسه، يواجه العراق استحقاقًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الحساسية يتمثل في الضغوط الأمريكية المتزايدة الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء وجود الفصائل المسلحة خارج المؤسسات الرسمية، وتقليص النفوذ الإيراني داخل العراق. ولم يعد هذا الملف يُطرح بوصفه مطلبًا إصلاحيًا داخليًا فحسب، بل أصبح جزءًا من ترتيبات إقليمية أوسع تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها بعد الحرب، باعتبار أن أي إعادة تشكيل للتوازنات في المنطقة لن تكون ممكنة مع استمرار العراق بوضعه الحالي.
في المقابل، تبدو الرؤية الإيرانية مختلفة تمامًا؛ إذ لا تنظر طهران إلى السلاح الذي تمتلكه القوى الحليفة لها باعتباره شأنًا عراقيًا داخليًا، وإنما جزءًا من منظومة الردع الإقليمية التي بنتها خلال العقدين الماضيين. ومن هذا المنطلق، تصر على الاحتفاظ بهذا السلاح وعدم تسليمه للدولة، بل تدفع باتجاه تطوير قدراته، باعتباره عنصرًا أساسيًا في استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها. ولذلك جاءت بيانات عدد من الفصائل المسلحة بعد الحرب لتؤكد خيار تطوير القدرات العسكرية لا التخلي عنها، بما يعني أن مسار التهدئة الذي تطالب به الحكومة يواجه معارضة حقيقية من داخل البيئة السياسية والأمنية نفسها.
وفي قلب هذه المعادلة المعقدة تقف حكومة علي الزيدي أمام أصعب اختبار منذ تشكيلها. فهي مطالبة بإعادة تثبيت الاستقرار الداخلي، واستعادة ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين، وإقناعهم بأن العراق قادر على استعادة قراره الوطني، وبناء علاقات متوازنة مع محيطه العربي والإقليمي، وإقامة شراكة استراتيجية مستقرة مع الولايات المتحدة، من دون أن يتحول إلى ساحة مواجهة أو تابع لأي محور. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بقدرة الحكومة على إثبات استقلال قرارها، وهو ما يزال موضع اختبار في ظل استمرار تأثير القوى المسلحة الموازية للدولة.
ولا يقتصر التحدي على الملفات الأمنية والخارجية، بل يمتد إلى الداخل الحكومي نفسه. فاستكمال ترميم الكابينة الوزارية، ومعالجة مواطن الضعف الإداري، والانطلاق الجاد في تنفيذ البرنامج الحكومي، لم تعد مجرد استحقاقات سياسية اعتيادية، وإنما تحولت إلى ضرورة وجودية لإثبات قدرة الدولة على العمل وسط هذا المناخ المضطرب. فكل تأخير في الإصلاح المؤسسي يمنح خصوم الدولة مساحة إضافية لتعزيز نفوذهم.
أما التحدي الأكثر عمقًا، فهو استعادة ثقة المجتمع العراقي. فقد تراكمت خلال السنوات الماضية مشاعر واسعة من الإحباط نتيجة الفساد، وهدر الموارد، وتعطيل فرص التنمية، واستمرار تراجع الخدمات العامة، حتى أصبح جزء كبير من المواطنين ينظر إلى الدولة باعتبارها عاجزة عن تحقيق أبسط وظائفها. وهذه الأزمة لا تُعالج بالخطاب السياسي، بل بإجراءات ملموسة تعيد للمواطن الإحساس بأن الدولة قادرة على حماية المال العام، وتحقيق العدالة، وتوفير الخدمات، وصناعة الأمل.
ويوازي ذلك ضرورة إعادة الاعتبار للدولة العراقية بوصفها فاعلًا إقليميًا لا مجرد ساحة لتصفية الحسابات. فالعراق يمتلك من الموقع الجغرافي والموارد البشرية والاقتصادية ما يؤهله للقيام بدور إقليمي مهم، لكن هذا الدور يبقى معطلًا ما دامت قراراته الكبرى محكومة بالتجاذبات الداخلية والضغوط الخارجية، وما دام القرار الوطني لا يُصنع بصورة مستقلة داخل مؤسسات الدولة.
ومن بين أخطر الإشكالات التي تعيق هذا المسار استمرار هيمنة مجموعة محدودة من الرعاة والزعماء السياسيين على القرار الأعلى، بحيث تتحول الحكومة في كثير من الأحيان إلى جهاز تنفيذي لإرادات تتشكل خارج مؤسساتها الدستورية. وهذه الثنائية بين السلطة الرسمية ومراكز النفوذ غير الرسمية كانت ولا تزال أحد أبرز أسباب ضعف الدولة العراقية، لأنها تُفرغ المؤسسات من مضمونها، وتمنع قيام نظام سياسي قائم على المسؤولية والمساءلة.
ولذلك فإن الأشهر المقبلة لن تكون مجرد اختبار لحكومة الزيدي وحدها، وإنما اختبار لطبيعة النظام السياسي العراقي بأكمله. فالضغوط الأمريكية ستتواصل لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية، والضغوط الإيرانية لن تتراجع للحفاظ على أدوات نفوذها، كما أن الدول العربية ستراقب قدرة بغداد على استعادة استقلال قرارها قبل الانخراط في شراكات أوسع معها. وسيبقى العراق محاطًا بثلاث دوائر ضغط متزامنة، لكل منها حساباتها ومصالحها المتعارضة.
غير أن التحدي الأكثر تعقيدًا ربما لا يكمن في الخارج وحده، وإنما في الداخل أيضًا. فالولايات المتحدة تدرك أن تقليص النفوذ الإيراني لا يتحقق بمجرد الضغط على الحكومة لاتخاذ إجراءات أمنية، لأن النفوذ الإيراني لا يقوم على القوة المسلحة وحدها، بل يستند كذلك إلى قاعدة اجتماعية وثقافية وسياسية واسعة داخل جزء من المجتمع الشيعي العراقي، تشكلت عبر سنوات طويلة من التعبئة الأيديولوجية التي ربطت بين معاداة الولايات المتحدة والهوية السياسية، وبين دعم السياسات الإيرانية والالتزام العقائدي. ومن دون تقديم مشروع وطني جامع يعيد تعريف مفهوم المصلحة العراقية بوصفها المعيار الأعلى، فإن أي معالجة أمنية ستبقى محدودة النتائج.
إن محنة العراق اليوم ليست فقط بين ضغوط واشنطن وطهران، ولا بين متطلبات الدولة وإرادة الفصائل، وإنما هي محنة أعمق تتعلق بالصراع بين منطق الدولة ومنطق المحاور، وبين حسابات المصالح الوطنية وميراث طويل من الاصطفافات الأيديولوجية والانفعالات السياسية. وهذه هي المعركة الحقيقية التي ستحدد مستقبل العراق في السنوات المقبلة: هل ينتصر العقل السياسي الذي يضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار، أم يبقى القرار أسير المزاج والعاطفة والولاءات العابرة للحدود؟ فالجواب عن هذا السؤال لن يرسم مصير حكومة الزيدي فحسب، بل سيرسم شكل الدولة العراقية نفسها في مرحلة ما بعد الحرب .
اليوم, 17:49 العراق بعد الحرب… استحقاقات الدولة في زمن الاستقطاب
ابراهيم العبادي11-07-2026, 13:28 الإمام علي زين العابدين (ع) وضع مشروع إعادة تأهيل الأمة بعد ضياعها في كربلاء
د. وليد الحلي8-07-2026, 23:11 مشروع الإمام علي زين العابدين (ع) في إعادة تأهيل الأمة
د. وليد الحلي3-07-2026, 14:08 الصادّون عن سبيل الله في القرآن الكريم
د.رعدهادي جبارة