الهابيتوس الشيعي والدولة (1)
"Today News" : بغداد
حين نريد اختبار الهابيتوس الشيعي في العراق، فإن أفضل مدخل ربما يكون سؤال الدولة: كيف نظر هذا الهابيتوس إلى الدولة؟ وكيف تعامل معها؟ وهل كانت الدولة في الوعي الشيعي كيانا غريبا ومغتصبا دائما، أم أن التاريخ يقدم لنا صورا أكثر تعقيدا؟
فالقول إن الوعي الشيعي ظل تاريخيا في حالة قطيعة مطلقة مع الدولة لا يصمد أمام التاريخ. فقد تعاملت شخصيات وبيوتات شيعية مع السلطة والدولة في عصور مختلفة، وتولت مواقع سياسية وإدارية مهمة، ومن أمثلة ذلك آل الفرات وغيرهم، كما قامت دول وسلالات ذات هوية شيعية واضحة، مثل البويهيين والفاطميين والصفويين والزيديين والمشعشعيين والمرعشيين. وهذا يعني أن العلاقة بين التشيع والدولة لم تكن تاريخيا علاقة رفض مطلق للدولة، بل كانت أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.
بل إن بعض البيوتات والشخصيات الشيعية دخلت في مؤسسات الحكم، وأصبحت جزءا من إدارة الدولة، بما يؤكد أن فكرة «الابتعاد الشيعي عن الدولة» ليست قاعدة تاريخية ثابتة، وإنما هي قراءة انتقائية لتاريخ طويل ومتعدد التجارب.
أما في العراق الحديث، فقد أصبحت المسألة أكثر تعقيدا. فمشاركة الشيعة في مؤسسات الحكم خلال العهد الملكي والجمهوري كانت متفاوتة ومحدودة قياسا بحجمهم السكاني، ثم جاءت تجربة الدولة البعثية لتعمق الشعور بالتهميش والقمع، ولاسيما في العقود الأخيرة من حكم صدام حسين. ومن هنا تكونت ذاكرة سياسية جعلت الدولة، في بعض تجليات الوعي الشيعي، تبدو أحيانا وكأنها سلطة الآخر، لا باعتبارها مؤسسة وطنية يفترض إعادة بنائها والسيطرة عليها بالقانون والمشاركة السياسية.
لكن التحول الأكبر جاء بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، حين ظهرت أمام الوعي الشيعي العراقي مشكلة جديدة لم تكن موجودة بهذه الصورة من قبل: كيف يمكن التوفيق بين الانتماء الديني العابر للحدود والانتماء إلى الدولة الوطنية؟
بدأ يظهر التباس بالغ الأهمية بين ثلاثة مفاهيم مختلفة: الأمة الدينية، والدولة السياسية، والوطن الذي ينتمي إليه المواطن قانونيا وسياسيا. وبدلا من أن تكون العلاقة بينها علاقة تكامل، أخذ بعضها يتحول في الخطاب السياسي إلى بدائل متنافسة.
والسؤال الذي يجب أن يطرح هنا ليس: هل الإسلام يعترف بالحدود التي رسمها الاستعمار؟ وإنما: هل استمرار وجود الدول الإسلامية المتعددة، بما فيها الدول ذات الأغلبية الشيعية، جعل الدولة السياسية واقعا تنظيميا جديدا لا يمكن تجاهله؟
إن الدولة الحديثة ليست مجرد حدود مرسومة على الخريطة. إنها شعب وإقليم وسلطة وقانون ومواطنة وحقوق وواجبات ومؤسسات. ولذلك فإن رفض الحدود الاستعمارية، وهو موقف يمكن تفهم دوافعه التاريخية، لا يؤدي بالضرورة إلى إلغاء الدولة التي قامت داخل هذه الحدود، ولا يلغي الحقوق والواجبات التي نشأت عنها.
وهنا يقع بعض الخطاب الشعبوي في مفارقة معرفية: يرفض «الوطن السياسي» باعتباره مفهوما مستوردا أو استعماريا، لكنه يقبل في الوقت نفسه بالدولة التي تقوم على الجنسية والقانون والمؤسسات والحدود والاعتراف الدولي، ويطالب مواطنيها بالضرائب والخدمة العامة والانتخابات ويتولى أبناؤه مناصبها العليا.
فإذا كانت الجنسية تنظيما حديثا، فهل يعني حداثتها أنها غير شرعية؟ وإذا كان الدستور مفهوما حديثا، فهل يعني ذلك رفضه؟ وإذا كانت الدولة الوطنية ظاهرة حديثة، فهل يعني ذلك أن نعيش في دولة حديثة ثم نرفض الأساس السياسي الذي ينظم علاقتنا بها؟
المشكلة هنا ليست في الدين، وإنما في طريقة قراءة الدين والتاريخ. فقد تغيرت الوقائع السياسية والتنظيمية، وظهرت مفاهيم جديدة لم تكن موجودة في صورتها الحالية في العصور السابقة: الدولة الوطنية، الجنسية، الحدود، الدستور، المؤسسات، القانون الدولي، الملكية الحديثة، حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية. وهذه كلها ليست بالضرورة عقائد دينية حتى نحكم عليها بالشرعية أو عدمها، بل هي ترتيبات تنظيمية نشأت استجابة لحاجات المجتمعات والدول.
والأهم أن الفقه الإسلامي نفسه لم يتعامل دائما مع الدولة والتاريخ السياسي باعتبارهما نموذجا واحدا جامدا. فقد تعددت الدول والسلطات الإسلامية، وتعايشت في أزمنة مختلفة دول وممالك وسلالات متعددة، بعضها شيعي وبعضها سني، ولم يكن الواقع الإسلامي قائما دائما على دولة إسلامية واحدة بالمعنى الذي يستدعيه بعض الخطاب المعاصر.
فكيف يمكن إذن أن نستمر في استدعاء صورة تاريخية للدولة الإسلامية الواحدة، وكأن التاريخ توقف عندها، بينما الواقع الإسلامي نفسه تجاوزها منذ قرون؟. نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: ما الفرق بين «الوطن الديني» بالمعنى الفقهي القديم، وبين «الوطن السياسي» الذي أصبح أساس الدولة الحديثة؟.
اليوم, 11:53 الهابيتوس الشيعي والدولة (1)
ابراهيم العباديأمس, 15:14 الامام الصادق والقران الكريم
عبدالأمير الهماشي29-08-2026, 18:37 رؤية قرآنية .. فقه الكلمة في الخطاب الإسلامي (1-3)
د.رعدهادي جبارة29-08-2026, 13:05 الدعوة على هدى القرآن والعترة .. حقائق في مرآة العرفان والولاية
د. عمران كاظم الكركوشي