• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

الدعوة على هدى القرآن والعترة .. حقائق في مرآة العرفان والولاية

الدعوة على هدى القرآن والعترة .. حقائق في مرآة العرفان والولاية

  • اليوم, 13:05
  • مقالات
  • 82 مشاهدة
د. عمران كاظم الكركوشي

"Today News": بغداد 

الحقيقة الأولى: النور المزدوج

إن الدعوة لم تكن يوماً حزباً سياسياً يُدار بأحكام البشر، ولا مشروعاً أرضياً يُقاس بميزان المصلحة، بل هي مشروع إلهي نزل من عالم الغيب إلى صدور المؤمنين، مُستنيراً بنورين لا ثالث لهما: كتاب الله المبين، وعترة رسوله الطاهرين — تلك العترة التي قال فيها المصطفى صلى الله عليه وآله : «إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق».

فالدعوة فكر عرفاني يستنير بهذين النورين، وروح طيبة تسكن في سرائر الضمائر المُتولّية لأهل البيت، وصورة سلوك تتجلى في أحداق العارفين بالله عبر ولاية آل محمد.

---

الحقيقة الثانية: التكليف لا الخيار

لا تنظر إلى الدعوة بعين الخيار البشري، فهي ليست اختياراً يُتداول بين موافقة ورفض، بل هي تكليف إلهي مرسوم على صحائف القلوب من قبل أن تُخلق الأكوان، مُستمدٌّ من آيات الكتاب المحكمات، ومُؤيَّدٌ بسُنَّة العترة الناطقة. وما ينفعنا أن نتكلف النظر في تبنّيها من عدمه، بل السؤال العرفاني الولائي: كيف يكون التكليف على هدى القرآن والعترة؟ وكيف نُحيي الروح بروحهما؟

---

الحقيقة الثالثة: الثبات في دائرة التوحيد

لم تشكّل الدعوة يوماً ثقافة عابرة تتبدّل بأهواء الزمان، بل هي أفكار مستقرة في صدور أهل اليقين الذين يأخذون بحبل الله الممتد بين السماء والأرض — ذلك الحبل المُتشابك من القرآن والعترة كما قال الإمام الصادق عليه السلام: «نحن صُفرةُ هذا الكتاب، وأهلُ بيتِه». ولم تكن أهواءً متبعة تُساق برياح الشهوات، بل قيم أصيلة حاكمة لنا، صانعة لدور كل فرد في دائرة التوحيد — تلك الدائرة التي مركزها القلب المُتعلّق بعليٍّ وبنيه، ومحيطها السماء.

---

الحقيقة الرابعة: الظهور في الصورة الأنسب

وكان تحويل الدعوة إلى حزب سياسي — في سياق تطور إدارة الشعوب — واجباً تأريخياً ومنطقياً، لأن الدعوة بمنهجها المرن وبتكليفها السماوي تظهر بأشكال لا حصر لها بحسب السياق، طالما أنها على هدى القرآن والعترة. فحزب الدعوة كان المظهر الأكثر قدرة على استيعاب ثقل المسؤولية الإلهية، كما أن السر يتجلى في الألفاظ بحسب استعداد السامعين، والعترة هي خزانة السر الإلهي.

---

الحقيقة الخامسة: الخلاص من فكي الظلمة

كانت الدعوة حركة خلاص من بين فكي مفترسين — الجهل المُباعد للقرآن، والطغيان المُباعد للعترة — ولا يزالان يلوكان العالم إلى قيام الساعة. وكانت حتمية البقاء تكليف المؤمنين أن يتخذوا لهم شعاراً ودثاراً يحملان آيات الكتاب وسيرة أهل البيت، ليمكث تراث الإسلام باقياً بين أهله، ويحميه الدعاة — بالدم والعرق والجهاد — كما يحمي العارف سرّ معرفته بصدق المكاشفة، وكما ضحى الحسين عليه السلام ليُبقي القرآن والعترة شامخين.

---

الحقيقة السادسة: السلطة في مرآة الولاية

لم تكن السلطة — على ما هي عليه اليوم — إلا مسكرةً لافتة موغلة في أهلها الضعفاء أمام المال والجاه والنفوذ، فساداً وخراباً. وقد لا تنجو إلا الدعوة برعيلها الثابت على هدى القرآن والعترة، أو بجيلها العاضّ عليها بالنواجذ — طرية نقية، ناصعة البياض، مأمونة الشرف، معفاة من روح المساءلة السوداء التي تضرب معالف أهل الحكم والسلطان. فالسلطة الحقيقية هي ولاية الله التي تتجلى في كتابه وعترة نبيه، ومنها تستمد الدعوة شرعيتها.

---

الحقيقة السابعة: النظر بالأصول لا بالآثار

إن المنطق السائد لفهم الدعوة مبني على علاقتها بالسلطة الزائفة، لكن الدعوة تأبى الاتفاق مع هذه الرؤية التي تحكم عليها بالآثار لا بالأصول. فالدعوة تكليف أصيل لكل ملتزم بمنظومة مبادئ تقررها الشريعة — تلك الشريعة التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وآله: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي» — وهي ملزمة بمقدار إيمان المؤمنين وقدر المستطاع، كما أن العرفان مقياسه صدق السعي لا كثرة المكاسب.

---

الحقيقة الثامنة: الوصل بين العمل والقيمة

إن الفصل بين العمل والقيمة هو فصل بين الظاهر والباطن، وقد أدى إلى صناعة علاقة مشوّهة بين الدعوة ومنطلقاتها. أما الدعوة على هدى القرآن والعترة فهي وحدة لا تتجزأ بين القول والعمل، بين السر والعلن، بين السلطة الظاهرة والسلطة الباطنة. فالقرآن يُعطيها النور، والعترة يُعطيها الروح، ومن اجتماعهما تُولد الحكمة الولائية.

---

الحقيقة التاسعة: التوازن في زمن الاضطراب

في زمن الاضطراب — حيث تتقلب الأكوان وتتبدل الأحوال — فإن الدعوة على هدى القرآن والعترة هي الوسيلة الفضلى لتحقيق التوازن وكبح جماح الفساد، كما أن الذكر يُحيي القلب الميت، والنور يُبدد ظلمة الجهل. فالقرآن المنهج، والعترة النموذج الحي، ومن اجتماعهما تستقيم الحياة.

---

الحقيقة العاشرة: صورة الداعية في مرآة العترة

الداعية على هدى القرآن والعترة هو ذلك المؤمن الذي لديه ما يقوله وما يفعله — ولكن سرّه أعمق:

هناك ما هو مضمر في قلبه من حبٍّ لعليٍّ والأئمة الطاهرين، وفي نفسه من تبعيةٍ لسنَّتهم، وفي مزاجه من انقيادٍ لمنهجهم. الداعية هو الشخص الذي يمثل الليلة — يفكر: ماذا يفعل في اليوم القادم؟ وصباح الغد؟ دائماً هناك واجب قائم لا ينتهي، ومسؤولية قائمة لا تنقضي، وإحساس بالواجب المستدام يجري في عروقه كما يجري الدم.

ذلك المسلم يعتقد أن القيام بأمر الناس، وأمر العقيدة، وأمر الدين، وأمر الدعوة — يستلزم عملاً دائماً وجهداً متواصلاً، وتطوراً للذات في المستوى العلمي والأخلاقي والفهمي، وفي إدارة الشؤون الخامة والعامة. وعلمه من القرآن، وأخلاقه من العترة.

ولذلك الداعية هو الشخص الذي يتابع الأحداث فيفهمها ويحررها بفهم عليٍّ وبصيرة الحسن، وهو الذي يصنع الحدث ويصنع فهماً عاماً، يشارك في حرب مستدامة — والطائب على الخط الأول في مستوى الإيمان البشري، ومستوى الإيمان بالسماء، يدعم عقيد الناس ويطوّر فهمهم للحوادث من حولهم، ويطوّر تكاليفهم، ويساعد الناس على القيام بالتكليف، يحفظ الضوابط الاجتماعية والأخلاقية والدينية.

الداعية هو ذلك الشخص الذي يعتقد أن السلطة في الدعوة، والدعوة لا تمثله سلطة أخرى، بل إن السلطات كلها تستمد بقاءها وديمومتها من الدعوة — الدعوة على هدى القرآن والعترة. هذا أول فهم جوهري للدعوة — الفهم الأخلاقي، الفهم الأساسي — الذي يمكن أن أفهمه من كتاب الله، من القرآن الكريم، ومن سيرة العترة الطاهرة.

---

الحقيقة الحادية عشرة: الدعوة كظاهرة إنسانية كونية

الدعوة الإسلامية على هدى القرآن والعترة هي مستوى اتصالي ونمط معرفي محدد، يعمل وفق مقتضيات تطور الفكر البشري في كل مرحلة، ويستند إلى القوى السياسية والاقتصادية والثقافية التي تعطيه قالباً معيناً.

وتؤثر في الدعوة عوامل وظروف وقواعد تحكم عملها — منها البيئة الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية — ولكن لا يمكن انتزاع الدعوة من حياة البشر، لأنها الوظيفة والتكليف الأساس للمسلم المؤمن الذي عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مستنيراً بآيات الكتاب، ومقتدياً بسيرة العترة.

وهناك نسق من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة — النبوية والولائية — التي تجعل من الدعوة المقياس والمعيار الذي على أساسه يتم قبول عمل المسلم.

ولكن السؤال الذي يحتاج إلى طواف ومسح منهجي واسع للطيف العلمي والنظري والثقافي — الذي يمكن من خلاله أن نفهم موقع الدعوة الإسلامية في الظاهرة الأخلاقية والسياسية والثقافية والاجتماعية والسلوكية العامة، والتفريق بين مظاهر الدعوة السلوكية والمعرفية، وبين التكليف الديني والعقائدي — هو سؤال لا يُجاب عنه إلا بضوء القرآن وهدى العترة.

---

«إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»
صدق الله العلي العظيم.

أخر الأخبار