• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

غرينلاند .. حين تتحول الجغرافيا إلى مرآة نرجسية القوة الأمريكية

غرينلاند .. حين تتحول الجغرافيا إلى مرآة نرجسية القوة الأمريكية

  • اليوم, 18:14
  • مقالات
  • 33 مشاهدة
د.رعدهادي جبارة

"Today News": متابعة 

حتى وقت قريب؛لم تكن غرينلاند أكثر من جزيرة متجمدة على هامش الاهتمام العالمي يقطنها57.000نسمة تتمتع بحكم ذاتي تابعة للدانمارك. لكن فجأة، ومن دون تمهيد استراتيجي مقنع، وجدت نفسها في قلب خطاب أمريكي صاخب،وطمع ترامب متفاقم،وخطاب مشوب بالتهديد يلوّح بالامتلاك، ويهدد الحلفاء، ويختزل التحالفات التاريخية بمنطق الصفقة و الابتزاز. فما الذي تغيّر؟

التحول لم يكن في الجغرافيا، بل في طريقة تفكير ساكن البيت الأبيض الطماع بما لدى الآخرين،بلا تمييز بين منافس وحليف.

لماذا غرينلاند؟
  بعيدًا عن الخطاب الشعبوي، تمتلك غرينلاند بالفعل مجموعة كبيرة من المزايا تجعلها محط اهتمام واشنطن وطمعها. فالجزيرة تُعد من أغنى مناطق العالم بالعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية في صناعات التكنولوجيا المتقدمة، من الهواتف الذكية إلى أنظمة التسليح الحديثة، ما يمنحها أهمية خاصة في ظل سعي الولايات المتحدة لتقليص اعتمادها على الصين التي تهيمن على الجزء الأكبر من معالجة هذه المعادن.
  إضافة إلى ذلك، تشير التقديرات إلى وجود احتياطات معتبرة من النفط والغاز في محيط القطب الشمالي، ومع تسارع ذوبان الجليد، تتحول غرينلاند تدريجيًا إلى نقطة ارتكاز لوجستية، تتيح الوصول إلى طرق ملاحة جديدة تختصر المسافات بين أوروبا و آسيا وأمريكا الشمالية. كما أن موقعها الجغرافي يمنحها قيمة عسكرية واستراتيجية في ظل تصاعد الحضور الروسي والصيني في الشمال القطبي،فضلا عن اعتراض أي صواريخ عابرةللقارات ربما تستهدف أمريكا يوماً ما.
  هذه المعطيات تفسّر الاهتمام الامريكي، لكنها لا تبرّر الأسلوب الترامبي.

من الاستراتيجية إلى الاستعراض
   الرئيس الأمريكي لم يطرح المسألة ضمن أطر تفاوضية هادئة، و لا عبر قنوات دبلوماسية راسخة، بل قدّمها بخطاب فجّ، يطالب بـ«الملكية الكاملة»!!، ويصف الحلفاء بالجحود!، ويعيد كتابة التاريخ بمنطق القوة لا الشراكة!. هنا لا نكون أمام سياسة خارجية مدروسة، بل أمام سلوك سياسي نرجسي، يرى العالم امتدادًا لإرادة فرد لا شبكة مصالح متبادلة.
   الأخطر في هذا الخطاب أنه لا يتوقف عند حدود غرينلاند. فالرجل الذي يقول للأوروبيين إنهم «من دون أمريكا لا شيء»!، ويذكّر الكنديين بأن «حياتهم مدينة لواشنطن»!، ويوبّخ حلفاءه علنًا!، لا يرى في التحالفات سوى أوراق ضغط مؤقتة. الشريك، في هذا المنطق، ليس حليفًا بل تابعًا، و الجغرافيا ليست فضاءً للتعاون بل غنيمة محتملة.
 وحين اصطدم هذا الخطاب بجدار الرفض الأوروبي، خصوصًا بعد لقاءات مع قادة الناتو خلال مؤتمر سويسرا هذا الاسبوع، وفي عدد من العواصم الأوروبية، خفّت لديه النبرة فجأة، وتحوّلت غرينلاند من «ضرورة أمن قومي» إلى «مجرد منطقة ثلجية»!!. هذا التراجع السريع لا يعكس مرونة سياسية بقدر ما يكشف هشاشة الخطاب الأول، وارتباطه بالمزايدة الإعلامية أكثر من الرؤية الاستراتيجية.

ما بعدغرينلاند؟!
السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
إذا كان هذا هو سلوك واشنطن مع أقرب حلفائها، فكيف سيكون تعاملها مع مناطق لا تمتلك مظلة تحالف قوية؟
  وماذا يعني هذا المنطق بالنسبة للشرق الأوسط، حيث تختلط الثروات بالهشاشة السياسية، وتُدار الملفات غالبًا بمنطق القوة لا القانون؟
  غرينلاند، في النهاية، ليست سوى اختبار مبكر. اختبار لنمط من الهيمنة لا يخجل من إعلان أطماعه، ولا يتردد في إهانة حلفائه، ولا يرى في العالم إلا مجالًا حيويًا لمصالحه الآنية. أما من يعتقد أن هذه النرجسيةالسياسية ستتوقف عند الجليد القطبي، فقد لا يكون قد قرأ المشهد جيدًا.
وقد تستيقظ أوربا ذات صباح فتجد قوات الدلتا منتشرة في أنحاء الجزيرة و شواطئها، و العلم الأمريكي يرفرف عليها وينعقد في البيت الأبيض مؤتمر صحفي مفاجئ لترامب فيما يجلس على يمينه هيغسيث وعلى يساره روبيو!!.

د.رعدهادي جبارة
باحث في العلاقات الدولية ودبلوماسي سابق

أخر الأخبار