• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

الإمام الرضا (ع) وولاية العهد .. حكمة الموقف وبناء الأمة

الإمام الرضا (ع) وولاية العهد .. حكمة الموقف وبناء الأمة

  • اليوم, 10:37
  • مقالات
  • 23 مشاهدة
د. وليد الحلي

"Today News": بغداد 


المقدمة
في الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148 هـ، أشرقت المدينة المنورة بولادة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، في مناسبةٍ تتجدد فيها معاني الوعي والإصلاح.

وبهذه الذكرى المباركة، نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات، مستلهمين من سيرته مشروعاً متكاملاً في بناء الأمة، حيث لم يكن حضوره (ع) في موقع ولاية العهد حدثاً سياسياً عابراً، بل محطةً ضمن مشروع إصلاحي هادف إلى إعادة تأهيل الأمة للحكم الإسلامي الحقيقي عبر مراحل واعية من التربية والتوجيه.

أولاً- الولادة المباركة وبداية المشروع:
وُلد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) في بيت النبوة والإمامة في الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148 هـ، في المدينة المنورة ، ليحمل مشروعاً تأهيلياً لتحمّل مسؤولية الحكم القائم على القيم الإسلامية.
﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف: 108)
(قال الإمام الرضا (ع): “رحم الله عبداً أحيا أمرنا… يتعلم علومنا ويعلمها الناس” – وسائل الشيعة، ج27، ص92).

ثانياً- الحكم بين القيم والانحراف:
في زمنٍ ابتعدت فيه السلطة عن روح الإسلام، ركّز الإمام (ع) على ترسيخ مبدأ العدل، باعتباره الأساس الذي يُعاد من خلاله بناء الحكم الصالح.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة النحل: 90)
قال الإمام الرضا (ع): “العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن” – بحار الأنوار، ج75، ص345.

ثالثاً- ولاية العهد… مناورة السلطة وحكمة الإمام:
حين أمر الخليفة العباسي المأمون بنقل الإمام (ع) من المدينة إلى خراسان سنة 200 هـ، كان يسعى إلى استثمار مكانته لدى الأمة، وإظهار التقارب مع أهل البيت (ع) لتحقيق مكاسب سياسية. وقد أراد من خلال فرض ولاية العهد أن يوقع الإمام في موقع يحمّله مسؤولية الواقع السياسي.
إلا أن الإمام الرضا (ع) أدرك أبعاد هذه الورطة، فتعامل معها كمرحلة ضمن مشروعه الإصلاحي، وحوّلها إلى فرصة لتوعية الأمة وكشف الانحراف، دون أن يمنح السلطة شرعية حقيقية.
﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (سورة هود: 113).
قال الإمام الرضا (ع): “من طلب الأمر من وجهه لم يزل، ومن طلبه من غير وجهه زلّ” – عيون أخبار الرضا، ج2، ص140).

رابعاً- الإصلاح المرحلي وبناء الوعي:
اعتمد الإمام (ع) منهجاً إصلاحياً مرحلياً، يقوم على إعادة تأهيل الأمة فكرياً وأخلاقياً، لتكون قادرة مستقبلاً على حمل مشروع الحكم الإسلامي القائم على العدل.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (سورة الرعد: 11)
(قال الإمام الرضا (ع): “أفضل العقل معرفة الإنسان نفسه” – بحار الأنوار، ج78، ص352).

خامساً- النهضة العلمية والفكرية:
جعل الإمام (ع) من العلم أداة أساسية في مشروع الإصلاح، فأسّس لنهضة فكرية عبر المناظرات والحوار، بهدف تصحيح الانحرافات وترسيخ الفهم الصحيح للدين.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (سورة الزمر: 9)
قال الإمام الرضا (ع): “العلم خزائن ومفاتيحه السؤال” – بحار الأنوار، ج1، ص224).

سادساً: التأثير الاجتماعي وكشف زيف السلطة
استطاع الإمام (ع) أن يعيد بناء ثقة الأمة بالقيم، وأن يكشف زيف السلطة التي تستند إلى القوة دون شرعية أخلاقية.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: 13)
قال الإمام الرضا (ع): “التودد إلى الناس نصف العقل” – بحار الأنوار، ج75، ص348.

سابعاً: الشهادة وخلود المشروع
عندما فشلت محاولات احتواء الإمام (ع)، لجأ المأمون إلى اغتياله، إلا أن مشروعه الإصلاحي استمر حياً في وجدان الأمة.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (سورة آل عمران: 169)
(قال الإمام الرضا (ع): “المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق” – بحار الأنوار، ج78، ص355.

ثامناً- دلالات معاصرة:
تُظهر تجربة الإمام الرضا (ع) أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان، وأن إعادة تأهيل الأمة هو الطريق الأساس لإقامة الحكم العادل.
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة الأعراف: 128)
(قال الإمام الرضا (ع): “الإيمان فوق الإسلام بدرجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة” – الكافي، ج2، ص52)

✦ خاتمة
في ذكرى ولادة الإمام الرضا (عليه السلام)، نستحضر مشروعاً إصلاحياً متكاملاً، لم يكن هدفه السلطة بحد ذاتها، بل إعادة بناء الأمة لتكون قادرة على إقامة الحكم الإلهي العادل.
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آل عمران: 159)
(قال الإمام الرضا (ع): “الإيمان أربعة أركان: التوكل على الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والتفويض إلى الله” – تحف العقول، ص445)

نبارك للأمة الإسلامية هذه الذكرى العطرة ، سائلين العلي القدير أن يجعلنا من السائرين على نهج الإمام علي الرضا (ع)، وأن يرزقنا وعيه وثباته في طريق الإصلاح.

     وليد الحلي
10 ذو القعدة 1447
27 نيسان 2026

أخر الأخبار