17 تموز 1968 ذكرى حقبة الاستبداد والحروب العدوانية والأنتهاكات القاسية لحقوق الإنسان
"Today News": بغداد
يمثل 17 تموز 1968 محطة مؤلمة في تاريخ العراق الحديث، إذ استولى حزب البعث على السلطة بانقلاب عسكري، ليفرض نظامًا استبداديًا استمر حتى 9 نيسان 2003. وخلال خمسة وثلاثين عامًا، شهد العراق واحدة من أكثر مراحل تاريخه قسوة، حيث تعرض الشعب العراقي بمختلف مكوناته المذهبية والدينية والقومية والسياسية لسلسلة واسعة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كما دخل العراق في حروب مدمرة أنهكت الدولة والمجتمع وأعاقت مسيرة التنمية لعقود طويلة.
لقد اتسم نظام حزب البعث وصدام حسين بالحكم الفردي المطلق، وهيمنة الأجهزة الأمنية، وإلغاء التعددية السياسية، وتسخير مؤسسات الدولة لخدمة الحزب الواحد، حتى أصبحت السلطة فوق القانون، وتحولت أجهزة الأمن والمخابرات إلى أدوات للقمع والتخويف والتصفية السياسية.
أولاً: الحروب التي شنها البعث على العراقيين وجيرانه
اعتمد حزبهم القوة العسكرية والأمنية وسيلةً للحكم، حتى أصبح العراق يعيش في حالة حرب مستمرة طوال معظم سنوات حكم البعث، ومن أبرز تلك الحروب:
1- الحرب على الشعب العراقي:
شن النظام حربًا مفتوحة ضد المواطنين العراقيين، فاستُخدمت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في قمع المعارضين، وامتلأت السجون بالمعتقلين، وانتشرت ممارسات التعذيب والاختفاء القسري والإعدامات خارج الضمانات القضائية، وانتهى الأمر بوجود مئات المقابر الجماعية التي كُشف عنها بعد عام 2003.
2- الحرب على الكرد:
تعرض أبناء شعبنا الكردي لحملات عسكرية واسعة، كان أبرزها حملة الأنفال التي تضمنت تدمير آلاف القرى، والتهجير القسري، والإعدامات الجماعية، واستخدام الأسلحة الكيميائية، وفي مقدمتها جريمة قصف مدينة حلبجة عام 1988، مما ادى الى استشهاد الالاف من الكرد في هذه المدينة التي دمرت.
3- الحرب على المنتفضين في 15 شعبان عام 1991:
قمع النظام الانتفاضة الشعبانية باستخدام القوة العسكرية، مما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ووقوع إعدامات واعتقالات واسعة، واكتشاف مقابر جماعية بعد عام 2003، إضافة إلى تجفيف أهوار جنوب العراق وتهجير سكانها.
4- الحرب على الكرد الفيليين:
جرّد النظام عشرات الآلاف من الكرد الفيليين من جنسيتهم العراقية، وهجّرهم قسرًا، وصادر ممتلكاتهم، واعتقل آلاف الشباب منهم، ولا يزال مصير أعداد كبيرة منهم مجهولًا.
5- الحرب على القوى السياسية والدينية والفكرية:
استهدف النظام الأحزاب السياسية المعارضة، والعلماء، والمراجع الدينية، والمثقفين، والطلبة، والنقابات، والصحفيين، وكل من رفض الانضمام إلى حزب البعث أو عارض سياساته المنتهكة لحقوق الانسان في اجرامها.
6- الحرب على الحريات العامة:
ألغى النظام التعددية السياسية، وصادر حرية الرأي والتعبير والصحافة، وأخضع القضاء والإعلام والجامعات والنقابات لسلطة الحزب، وحرم العراقيين من أبسط حقوقهم السياسية والمدنية.
7- الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988):
أشعل النظام حربًا استمرت ثماني سنوات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وخلفت مئات الآلاف من الضحايا والجرحى، واستنزفت ثروات العراق، وألحقت أضرارًا هائلة بالبنية التحتية والاقتصاد.
8- غزو دولة الكويت عام 1990:
احتل حكم حزب البعث البائد الكويت، مما تسبب في حرب الخليج الثانية، وفرض عقوبات دولية طويلة الأمد ألقت بآثارها الثقيلة على الشعب العراقي والاقتصاد الوطني.
9- عسكرة المجتمع العراقي:
حول النظام المجتمع إلى مجتمع عسكري، وفرض الخدمة العسكرية الطويلة، وزج ملايين العراقيين في الحروب، وفرض عقوبات قاسية على الرافضين أو الفارين من الخدمة العسكرية.
ثانيًا: الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومنها نذكر ما يلي:
ارتكب نظام حزب البعث وصدام حسين سلسلة واسعة من الانتهاكات التي طالت مختلف مكونات الشعب العراقي، ومن أبرزها:
1-الاستيلاء على السلطة بالقوة وإلغاء الحياة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
2-إنشاء دولة بوليسية اعتمدت على أجهزة الأمن والمخابرات في مراقبة وبث الرعب بين العراقيين.
3-الاعتقالات الجماعية والتعذيب المنهجي والاختفاء القسري.
4-الإعدامات السياسية والمحاكم الاستثنائية التي افتقرت إلى معايير العدالة.
5-اكتشاف مئات المقابر الجماعية بعد سقوط النظام، والتي ضمت رفات أعداد كبيرة من الضحايا.
6-جريمة الأنفال وما رافقها من إبادة جماعية وتهجير وتدمير للقرى الكردية.
7-استخدام الأسلحة الكيميائية، ولا سيما في مدينة حلبجة عام 1988.
8-تهجير الكرد الفيليين وإسقاط الجنسية عنهم ومصادرة ممتلكاتهم.
9-قمع انتفاضة عام 1991 وما رافقها من قتل واعتقالات ومقابر جماعية.
10-تجفيف أهوار جنوب العراق وتهجير سكانها وتدمير بيئتها.
11-التهجير القسري ومصادرة الممتلكات والوثائق الرسمية لعشرات الآلاف من العراقيين.
12-التمييز القومي والطائفي ضد عدد من مكونات الشعب العراقي.
13-استهداف التركمان والشبك والمسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم في مراحل مختلفة.
14-القضاء على المعارضة السياسية ومنع الأحزاب والنقابات المستقلة.
15-قمع الصحافة والإعلام والثقافة وفرض الرقابة الشاملة.
16-إخضاع القضاء لإرادة السلطة وإنشاء محاكم استثنائية.
17-إصدار القرار رقم (461) لسنة 1980 الذي قضى بإعدام المنتمين أو المؤيدين لحزب الدعوة الإسلامية.
18-إعدام المرجع الديني السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) وشقيقته السيدة الشهيدة آمنة الصدر (بنت الهدى)، وملاحقة وإعدام الالاف من العلماء ورجال الدين والمفكرين.
19-اعتقال وتعذيب أقارب المعارضين واتخاذهم رهائن للضغط على ذويهم.
20- قمع الشعائر الدينية، ومن ذلك انتفاضة صفر في شهر شباط من عام 1977 وغيرها من الاعتداءات على الممارسات الدينية.
21-فرض الانتماء إلى حزب البعث شرطًا للحصول على كثير من الوظائف والترقيات والقبول في بعض الكليات والمؤسسات.
22-فرض عقوبات قاسية على العسكريين الذين رفضوا الانتماء إلى الحزب أو اتُّهموا بمعارضة النظام.
23-تسخير الجيش العراقي لخوض حروب لم تحقق مصلحة العراق، وأدت إلى خسائر بشرية ومادية هائلة.
24-استنزاف الثروات الوطنية في سباقات التسلح والحروب على حساب التنمية والتعليم والصحة.
25-هجرة عشرات الآلاف من العلماء والأطباء والأكاديميين والكفاءات العراقية نتيجة القمع والحروب.
26-نشر ثقافة الخوف والوشاية وربط مستقبل المواطن بولائه للحزب الحاكم.
27-تشويه سمعة العراق وإضعاف مكانته الإقليمية والدولية بسبب الحروب والسياسات العدوانية.
28-ترك العراق مثقلًا بالديون والدمار الاقتصادي والاجتماعي، ومتأخرًا عن ركب التطور العلمي والتكنولوجي لعقود طويلة.
29-تفقير الطبقة الوسطى بتدمير مقومات الحياة اليومية.
الخلاصة: إن استذكار 17 تموز ليس مناسبة لإحياء الخلافات، وإنما هو استذكار لحقبة مؤلمة جدا من تاريخ العراق، وتكريم لضحايا الاستبداد والعنف، وتأكيد على احترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، والتداول السلمي للسلطة، وحماية كرامة الإنسان، هي الضمانة الحقيقية لمنع تكرار تلك المآسي.
لقد دفعت جميع مكونات الشعب العراقي، من العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان والأرمن، ومن المسلمين بمختلف مذاهبهم، والمسيحيين، والإيزيديين، والصابئة المندائيين وغيرهم، ثمنًا باهظًا خلال تلك الحقبة. كما امتدت آثار سياسات النظام إلى دول الجوار والمنطقة، وتركت العراق يعاني من آثار الحروب والقمع والدمار لعقود.
إن حفظ الذاكرة الوطنية، والاعتراف بمعاناة الضحايا، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والعدالة والمواطنة، يمثل مسؤولية وطنية وأخلاقية، حتى لا تتكرر في العراق مرة أخرى حقبة الاستبداد، وليبقى يوم 17 تموز 1968 شاهدًا تاريخيًا لجرائم البعث البائد ومن وقف معه، وطغيانهم وضربهم القيم بكل انواعها، وهذه الجرائم المتعددة تؤكد ضرورة محاكمة أعضاء حزب البعث الذين شاركوا في دعمه كمجرمين حروب وابادة جماعية، وكذلك فان حرمان العراقيين من الحرية تؤكد على أهمية حماية الآليات الديمقراطية، وصيانة كرامة الإنسان، وسيادة القانون، والحفاظ على العراق من هؤلاء الاشرار واشباههم.
الدكتور وليد الحلي
الأمين العام لمؤسسة حقوق الانسان
17 تموز 2026م – 3 صفر 1448 هـ
14-07-2026, 11:49 الموارد المائية تطلق حملة كبرى لإنقاذ الأنهار من آفة خطيرة
14-07-2026, 10:20 تقرير أوروبي: واشنطن تكرر أخطاءها في الشرق الأوسط .. فيلم نهايته "سيئة"
اليوم, 13:21 17 تموز 1968 ذكرى حقبة الاستبداد والحروب العدوانية والأنتهاكات القاسية لحقوق الإنسان
د. وليد الحلي13-07-2026, 17:49 العراق بعد الحرب… استحقاقات الدولة في زمن الاستقطاب
ابراهيم العبادي11-07-2026, 13:28 الإمام علي زين العابدين (ع) وضع مشروع إعادة تأهيل الأمة بعد ضياعها في كربلاء
د. وليد الحلي8-07-2026, 23:11 مشروع الإمام علي زين العابدين (ع) في إعادة تأهيل الأمة
د. وليد الحلي