• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

العقوبات تضيّق الخناق .. كيف تواجه طهران أزمة المعيشة؟

العقوبات تضيّق الخناق .. كيف تواجه طهران أزمة المعيشة؟

  • اليوم, 14:26
  • تقاير ومقابلات
  • 17 مشاهدة
"Today News": متابعة 

تعيش الأسر الإيرانية، واحدة من أقسى موجات الغلاء منذ عقود، مع ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والسكن، وانهيار الريال، وتراجع القيمة الحقيقية للأجور.
وتحاول الحكومة احتواء الأزمة بزيادة الرواتب وتوزيع قسائم غذائية ودعم بعض السلع، لكن الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من المساعدات.
في إيران اليوم، لا يُقَاس الغلاء بسعر سلعة واحدة، بل بعدد الأيام التي يصمد فيها الراتب.
عائلات تقلص استهلاك اللحوم والدجاج، وموظفون يبحثون عن عمل إضافي، وأصحاب مشاريع صغيرة يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: تسريح العاملين أو إغلاق أبوابهم.
وتكشف الأرقام حجم الأزمة بحسب مركز الإحصاء الإيراني، بلغ أحد مقاييس التضخم السنوي 66 في المئة في تموز 2026، فيما ارتفعت أسعار المستهلك 87.9 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. أما أسعار الغذاء فقفزت 128 في المئة.
وكانت الزيادات في بعض المواد أشد قسوة. ارتفع سعر زيت الطهو الصلب نحو 400 في المئة خلال سنة، والزيت السائل 344 في المئة، والرز المستورد 211 في المئة.
وباتت سلة الغذاء الأساسية تستنزف أكثر من 74 في المئة من الحد الأدنى للأجور، قبل احتساب الإيجار والنقل والدواء وسائر النفقات. ولم يعد السكن أقل ضغطاً.
وارتفعت الإيجارات 31 في المئة على أساس سنوي في آذار، وفق البيانات الرسمية، فيما أشارت تقديرات تداولتها وسائل إعلام إيرانية إلى زيادة أسعار المساكن في طهران بنحو 50 في المئة.
ودفعت هذه التكلفة بعض الأسر إلى مغادرة العاصمة نحو محافظات أرخص.
كيف تصل العقوبات إلى مائدة الأسرة؟
وتقف العقوبات الأميركية في قلب الأزمة، إذ تقلص إيرادات إيران من النفط والبتروكيماويات والمعادن وتحد من قدرتها على الحصول على العملات الأجنبية. كذلك تعرقل العقوبات التعاملات المصرفية والشحن والتأمين، فتضطر الشركات إلى استخدام وسطاء وطرق أطول وأكثر تكلفة.
وينتقل هذا الضغط سريعاً إلى العملة. لامس الدولار نحو مليوني ريال في السوق الحرة خلال آب، مع اختلاف السعر بين منصات التداول. وكلما ضعف الريال ارتفعت تكلفة الغذاء والدواء والآلات والمواد الأولية المستوردة، حتى عندما لا تكون السلعة نفسها مشمولة بالعقوبات.
وزادت الحرب والقيود الأميركية على حركة الشحن من الموانئ الإيرانية وإليها صعوبة وصول السلع وتحصيل عوائد التصدير. وأقر الرئيس مسعود بزشكيان بأن البضائع باتت تسلك طرقاً أطول، فيما تبيع البلاد نفطاً أقل وتتراجع الضرائب المحصلة من الشركات المتضررة.
لكن العقوبات لا تفسر الأزمة وحدها. يُعَدّ العجز المالي، ونمو السيولة، وتعدد أسعار الصرف، وضعف الاستثمار والفساد والاحتكارات، عوامل داخلية جعلت الاقتصاد أكثر هشاشة أمام الضغط الخارجي. ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني 5.4 في المئة في عام 2026 وبلوغ معدل التضخم 68.9 في المئة، مع درجة مرتفعة من عدم اليقين.
الأجور ترتفع... لكن قفزات الأسعار أسرع
رفعت السلطات الحد الأدنى للأجور بنحو 60 في المئة، من 103 ملايين إلى 166 مليون ريال شهرياً. على الورق، تبدو الزيادة كبيرة، لكنها بقيت أدنى من ارتفاع أسعار كثير من المواد الأساسية. كذلك أدى تراجع الريال إلى انخفاض قيمة الحد الأدنى للأجور من نحو 105 دولارات في أواخر آذار إلى قرابة 86 دولاراً لاحقاً.
وتعتمد الحكومة أيضاً على برنامج القسائم الغذائية الإلكترونية المعروف باسم "كالابرغ".
لقد وسّعت نطاقه وأتاحت الاستفادة منه لحاملي الرقم الوطني المستوفين للشروط، لشراء مجموعة من السلع الأساسية من متاجر محددة. تبلغ قيمة القسيمة الشهرية مليون تومان للفرد (التومان يساوي 10 ريالات)، لكن قوتها الشرائية تراجعت مع تسارع التضخم.
تضاف إلى ذلك تحويلات نقدية شهرية ودعم للخبز والوقود وبعض السلع. كذلك تستخدم الحكومة أسعار صرف رسمية أو مدعومة لتمويل واردات ضرورية، وتحاول التدخل لضبط سوق العملات والأسعار. غير أن تعدد أسعار الصرف بسبب مشكلة أخرى؛ تفتح الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الحرة الباب أمام المضاربة والفساد، وقد يحصل المستورد على عملة مدعومة من دون أن يصل كامل الدعم إلى المستهلك في صورة سعر أقل.
وتواجه السلطات ضغطاً متزايداً في سوق الوقود أيضاً. بلغ إنتاج البنزين نحو 130 مليون ليتر يومياً، في مقابل استهلاك يقارب 137 مليوناً. ومع تعذر تغطية النقص بسهولة عن طريق الاستيراد، ولاسيما في غياب ما يكفي من مصافٍ وعدم توافر صيانة كافية للقائم منها بسبب العقوبات، تجد الحكومة نفسها أمام خيار زيادة الأسعار أو ترشيد الاستهلاك، وكلاهما قد يثير غضباً شعبياً.
دعم يخفف الأزمة ولا يحلها
تساعد القسائم والتحويلات النقدية بعض الأسر على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها، لكنها لا تعالج جذور الأزمة. عندما يبلغ معدل تضخم الغذاء 128 في المئة، لا تكفي زيادة الأجور 60 في المئة للحفاظ على مستوى المعيشة، خصوصاً مع استمرار تراجع العملة. وتدرك السلطات أن الأزمة الاقتصادية قد تتحول إلى أزمة سياسية، ولذلك تجمع استجابتها بين الدعم الاجتماعي المحدود وتشديد الإجراءات الأمنية في مواجهة الاحتجاجات.
المفارقة أن الحكومة تمنح الإيرانيين رواتب وقسائم أكبر، لكن التضخم يسحب جزءاً كبيراً من قيمتها قبل إنفاقها.
وما لم تستعد البلاد تدفق العملات الأجنبية، وتضبط العجز والسيولة، وتخفف تكلفة التجارة، ستبقى هذه التدابير قادرة على تأجيل الانفجار، لا إنهاء أزمة المعيشة.

أخر الأخبار