اضطرابات إيران ومخاطرها على العراق – (3)
"Today News": بغداد
تشير قراءات قطاع واسع من المحللين والمراقبين والخبراء الإيرانيين إلى ما يشبه الإجماع على حتمية تعرّض إيران لهجوم عسكري جديد، تقوده الولايات المتحدة بمشاركة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة. غير أن نقطة الخلاف الكبرى بين هذه القراءات لا تتمثل في وقوع الضربة بقدر ما تتمثل في غاياتها النهائية.
فبينما يرى المعلق البارز القريب من الحرس الثوري مصطفى نجفي أن الصراع الإيراني – الأميركي قد تجاوز مرحلة التفاوض والتسويات، وأن الحرب باتت الطريق الوحيد لحسمه، يذهب آخرون إلى أن هدف واشنطن لا يتعدى تغيير سياسات النظام لا إسقاطه، وأن بلوغ هذا الهدف سيغنيها عن الانخراط في مشروع تفكيك إقليمي واسع ستكون ارتداداته طويلة الأمد وغير قابلة للحساب.
اكتمال الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وتجميع أصول بحرية وجوية كثيفة، وتنسيق الاستعدادات مع الدولة العبرية، رسّخ الاعتقاد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يكون في طور اتخاذ قرار استراتيجي حاسم لتحقيق أحد هدفين: إما تغيير سلوك الجمهورية الإسلامية وإنهاء مشاريعها النووية والصاروخية وشبكة نفوذها الإقليمي، أو الذهاب أبعد من ذلك نحو تهيئة بيئة مواتية لتغيير صاخب في بنية الحكم الإيرانية، مفتوح العواقب والاحتمالات.
في مقالة لافتة للأدميرال جيمس ستافريديس حول خيارات الضربة العسكرية الأميركية لإيران، يرى هذا القائد الأميركي الرفيع أن الضربة الواسعة قد تؤدي إلى “تآكل بنية النظام، وتحريك المجتمع، وتحفيز المحتجين”، وهي فرضية يبدو أنها تحتل موقعاً متقدماً في التفكير الاستراتيجي الأميركي: ضغط عسكري واقتصادي وسيبراني شديد، تعطيل ممنهج لقدرات القوة والدفاع، تفكيك الكتلة الصلبة للنظام، ودفع قوى داخلية كامنة للوثوب إلى السلطة.
غير أن العقبة البنيوية الكبرى التي تقف أمام هذا التصور تكمن في غياب بديل سياسي ناضج ومقنع، قادر على إدارة مرحلة ما بعد الصدمة، والحفاظ على وحدة الدولة الإيرانية ومنع انقسامها أو تفككها أو انزلاقها إلى فوضى ممتدة. وهي معضلة لم تنجح الولايات المتحدة في تجاوزها في تجاربها الكبرى في العراق وليبيا وأفغانستان.
هل فكّر الأميركيون جدياً بهذه المعضلة؟ ما تكشفه كتابات كبار المحللين في واشنطن يوحي بأن الرهان الحالي لا ينصب على إسقاط فوري للنظام، بل على اختبار قابلية الضربة العسكرية لفتح مسارات تغيير داخلية من عدمها. فالطائرات والصواريخ، مهما بلغت كثافتها، لا تُسقط الأنظمة بذاتها. بل على العكس، قد تمنح النظام الإيراني سردية “الدفاع الوجودي” وتتيح له تعبئة قوى داخلية وخارجية واسعة، تحت عنوان المقاومة والرد المشروع.
وقد نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إيراني أن أي هجوم سيُعد تهديداً وجودياً وحرباً شاملة. هذا التوصيف ليس خطاباً دعائياً بقدر ما هو إعلان مبكر لطبيعة الرد المتوقع، في ظل عقيدة سياسية تعتبر بقاء النظام أولوية مطلقة تتقدم على كل الاعتبارات الأخرى. ومن هنا فإن ضربة أميركية واسعة ستتجاوز حدود إيران سريعاً، لتطال الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة، والسلوك السياسي للفاعلين الدوليين والإقليميين، بل وحتى وعي الأفراد العاديين الذين قد يقرأون الصراع من زاوية عقائدية وجودية لا سياسية فحسب.
العراق في عين العاصفة
كيف ستنعكس الضربة الأميركية الشاملة على العراق؟
يدرك قطاع واسع من العراقيين أن حرباً أميركية – إسرائيلية لإسقاط حكم طهران لن تبقى شأناً إيرانياً خالصاً. فالرد الإيراني – الرسمي أو عبر الشبكات الحليفة – سيجعل من العراق ساحة مركزية للصراع، بحكم الجغرافيا، والتشابك السياسي، والارتباطات المذهبية، وتشابك المصالح الأمنية.
سيناريو كهذا يضع العراق على فوهة بركان حقيقي: توسع رقعة الحرب والحرب المضادة، اهتزاز التوازنات السياسية الهشة، تهديد الاستقرار الأمني، وتعرض الاقتصاد الريعي لضربة قاسية في ظل قدرة الولايات المتحدة على تعطيل الإيرادات النفطية أو تأخير وصولها إلى الخزانة العراقية.
ومع اشتداد المواجهة، ستتجه واشنطن إلى معالجة “مسرح العمليات” بضرب ما تسميه وكلاء إيران وأدوات نفوذها في العراق، وهي عملية لن تكون يسيرة ولا نظيفة، وسترافقها خسائر بشرية، وارتدادات سياسية وأمنية قد تعيد البلاد إلى مناخات الفوضى والانقسام.
في موازاة ذلك، يبرز احتمال واقعي لموجات نزوح إيرانية نحو العراق، خصوصاً من الفئات الفقيرة والباحثة عن ملاذ آمن في المدن الدينية، في حين ستتجه الطبقة الوسطى والثرية نحو تركيا والخليج. وهو تطور يحمل أبعاداً ديموغرافية واقتصادية واجتماعية لا تقل خطورة عن الأبعاد العسكرية.
لن يكون العراق الخاسر الوحيد في حرب واسعة، غير أن خصوصية موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي وتركيبته المذهبية تجعله الحلقة الأضعف والأكثر تعرضاً للارتدادات. فالعقيدة الدفاعية الإيرانية، القائمة على “الدفاع المتقدم”، تقوم منذ سنوات على نقل خطوط الاشتباك إلى خارج الحدود، وتوسيع رقعة الرد وتهديد المصالح الأميركية المباشرة وغير المباشرة بوصفه ركيزة ردعية مركزية.
في حال توسعت الحرب، ستسعى واشنطن إلى تحييد العراق رسمياً وإضعاف حلفاء إيران فيه، بينما ستسعى طهران إلى استخدام الساحات الخارجية – وفي مقدمتها العراق – للضغط على أمن الطاقة والمنشآت والقواعد والاستثمارات. ولهذا لم يكن مفاجئاً استعجال الأميركيين لملف حصر السلاح بيد الدولة، ونزع سلاح الفصائل، ومنع تمثيلها في الحكومة العراقية قيد التشكيل. في المقابل، ترد بعض هذه الفصائل بالتمسك بسلاحها بوصفه “دفاعاً شرعياً” يتجاوز مفاهيم السيادة واحتكار الدولة للعنف المشروع، وهو منطق ينذر بصدام داخلي محتمل لا يقل خطورة عن الصدام الخارجي.
في المحصلة، لا تبدو الحرب – إن وقعت – مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل زلزالاً استراتيجياً يعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات في الإقليم. والعراق، للأسف، يقف في مركز هذا الزلزال، لا بوصفه لاعباً فاعلاً، بل بوصفه ساحة اختبار، وحلقة ضعيفة، ومسرحاً مفتوحاً لاحتمالات لا يملك وحده مفاتيح التحكم بها.
24-01-2026, 19:05 صحيفة أميركية : واشنطن نقلت سجناء داعش للعراق لعدم ثقتها بالشرع
23-01-2026, 20:34 الفايننشال تايمز : واشنطن تهدد حكومة بغداد .. افعلوا هذا الأمر والا ؟
اليوم, 11:13 اضطرابات إيران ومخاطرها على العراق – (3)
إبراهيم العبادي24-01-2026, 18:14 غرينلاند .. حين تتحول الجغرافيا إلى مرآة نرجسية القوة الأمريكية
د.رعدهادي جبارة17-01-2026, 13:43 المبعث النبوي الشريف .. مبعث الطاقة الروحية للإنسانية المعذبة
د. وليد الحلي12-01-2026, 14:13 الصبر الواعي ومنهج التغيير الرسالي للإمام الكاظم (ع) في مواجهة الطغيان
د. وليد الحلي