• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

التفسير الموضوعي .. مميزات المنهج الصدري عن الاخرين

التفسير الموضوعي .. مميزات المنهج الصدري عن الاخرين

  • اليوم, 13:35
  • مقالات
  • 22 مشاهدة
عبدالأمير الهماشي

"Today News": بغداد 

قبل أن استعرض المنهج  الصدري في التفسير الموضوعي و أُقارنه ببقية من دخلوا هذا المجال وسُمي تفسيرهم مجازً بالتفسير الموضوعي لابد من الاشارة الى أنَّ هذا النوع من التفسير أسس له  الشهيد محمد باقر الصدر وسبق الكل في ذلك ،
وإنْ كانت هناك دراسات اكاديمية تشير الى ملامح من التفسير الموضوعي لمفسرين مثل الشيخ محمد رضا  إلا  أنها لا تعتبر  تفسيراً موضوعياً بل اشارات حاول جمعها بعض الاكاديمين في دراسات جامعية  من تفسيره سموها بالتفسير الموضوعي .

 مميزات المنهج الصدري :-

عندما ألقى السيد  محمد باقر الصدر (رض)  محاضراته  القرانية  في نهاية السبعينيات من القرن الماضي التي سُميت المدرسة القرانية لم يكن هناك مشروع تفسيري يحمل معنى التفسير الموضوعي ، ومحاضراته كانت بداية  وتأسيس لمشروع في استنطاق القران الكريم  أو حواره  فهو دستور ومنهج يستخلص منه  نظرية للمعرفة ، بعد أن   هُجِر  كما عبر الشهيد مطهري بهذا المعنى ، أو أضحى كتاباً للبركة يوضع على الرف ولا يتقرب اليه الا المفسرون ، الذين يفسرون أجزاءه من الفاتحة الى الناس ..
  وقد فرق الصدر بين التفسير الذي يريده  وبين التفسير التجزيئي  وهو ما قاله  في بداية محاضراته  فالهدف كان  اكتشاف الترابط العضوي بين المفاهيم التي اكتشفها التفسير التجزيئي  الذي يبذل فيه المفسر جهده يدل على المعنى فقط " أي أنه سوف نحصل على اعداد كبيرة من المعارف والمدلولات القرآنية "لكن في حالة تناثر وتراكم عددي دون أن نكتشف أوجه الارتباط ، دون أن نكتشف التركيب العضوي لهذه المجاميع من الافكار ، دون أن نحدد في نهاية المطاف نظرية قرآنية لكل مجال من مجالات الحياة فهناك تراكم عددي للمعلومات ، الا أن الخيوط بين هذه المعلومات ، أي الروابط والعلاقات التي تحولها الى مركبات نظرية ومجاميع فكرية بالامكان ان نحصر على أساسها نظرية القرآن لمختلف المجالات والمواضيع ، أما هذا فليس مستهدفا بالذات في منهج التفسير التجزيئي"


 التفسير الموضوعي :-
هذه المحاضرات سُميت بالتفسير الموضوعي واشترك الاخرون في اتخاذ هذا المسمى إلا إنها ( المحاضرات ) على بداياتها اختلفت  عما نراه من تفاسير سُميت بالتفاسير الموضوعية من حيث عمق الطرح  وبالتالي الاهداف التي سعى لها  الصدر .

لقد بحث من  سمى تفسيره بالموضوعي  عن معانٍ مشتركة لتكون موضوعا موحداً ، أو مفهوما ما توزع في ايات وسور القران الكريم .
، أما المنهج الصدري فكان يغوص في عمق القران ليستخرج قانوناً  نظرياً يفسر به التاريخ ويطبقه على الواقع .
الشهيد الصدر  لم يكتف بتفسير موضوعي توحيدي ، وانما ذهب الى أعمق من ذلك في محاضراته  التالية .
 وبمعنى أخر فإنَّ التفاسير التي اتخذت هذا المسمى هي  تفاسير  تصنيفية تجميعية تذهب الى معنى واحد تلتقطه ثم تقوم ببقية العمليات من جمع للايات واستعراض تفسيرها لنخرج بمفهوم التوحيد في القران  أو الصدق أو العدل والى غيره من المفاهيم .
 وكأنه منهج مدرسي له هدف بسيط قد يُستخدم لأغراض تعليمية ارشادية أو وعظية لكنه يفتقد للرؤية الكونية  أو لا يقترب من منهج التفسير الصدري إنْ جاز لي تسميته بهذا المسمى ..

منهج الصدر :-
منهج السيد  الصدر يرتكز على استنطاق القران الكريم  ، يستنبط منه قوانين او نظريات  أو سنن تاريخية واجتماعية . بعد أن يقدم الاسئلة  على القران الكريم  ويعرض التحديات التي تواجه واقع المسلمين  بصورة خاصة والناس بصورة عامة .

 ولم أجد بحسب اطلاعي المتواضع  على هذا النوع من التفاسير  أنها تعمقت ومن ثم صاغت ما صاغه الصدر  ( رض ) ولا أُغالي إنْ قلت : إنَّ التفاسير المطروحة  ( التفاسير الموضوعية )  تمثل قشوراً  فيما لو قورنت  بالمدرسة القرانية  التي أسس لها الصدر.
و هو منهج تفرد به ، ولم يكمله من بعده أحد لا من طلابه ولا من غيرهم بحسب اطلاعي المتواضع .

 لقد  عرض الواقع على القران في حوار فكري او تساؤل من طالب الى استاذ لعله يجد الجواب ، وقد وجد اجوبة لذلك ، وكان على يقين بأنه يجد الجواب لا محالة .

و لعلي اكرر القول هنا بأن َّمنهج  الصدر المعرفي لا يُقرأ  في حلقة واحدة كالمدرسة القرانية فهذه المحاضرات مجتمعةً  هي محطة من محطات نظرية المعرفة لديه ، ونظريته السياسية والاجتماعية   ورؤيته الى دور الانسان ومسؤوليته في الكون  اتجاه الخالق اتجاه نفسه واتجاه الاخرين  وحتى  البيئة والارض التي يقف عليها .

و لنرى ما كان يريده  الصدر من القران الكريم فيما قاله في الدرس الاول من الدروس القرانية  "يحاول القيام بالدراسة القرآنية لموضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية فيبين ويبحث ويدرس . مثلا عقيدة التوحيد في القرآن أو يبحث عقيدة النبوة في القرآن او عن المذهب الاقتصادي في القرآن او عن سنن التاريخ في القرأن او عن السماوات والارض في القرآن الكريم وهكذا .
 ويستهدف التفسير التوحيدي او الموضوعي من القيام بهذه الدراسات تحديد موقف نظري للقرآن الكريم وبالتالي للرسالة الاسلامية من ذلك الموضوع من موضوعات الحياة او الكون " .

لم يكن  الصدر مجرداً من دون قاعدة فكرية فلسفية منطقية   وهو يعرض الواقع على القران الكريم مع تسلحه بالادوات  التفسيرية المتعارفة  كل ذلك مكنه في الغوص  في أعماق القران الكريم .
أما  أصحاب التفسير الموضوعي التجميعي فهو يكتفون بالاطار اللغوي وبعضهم له أهدافه، وهي الوعظ  والتذكير ، وهو أمر لا بأس به لكنه لا يُقارن بضخامة وعمق المنهج الصدري  .

مفهوم التفسير الموضوعي  بين ما أراده الصدر وبين مايتبناه الاخرون:-
 الشهيد الصدر لم يكن “مفسراً موضوعياً” بالمعنى الذي شاع لاحقاً، بل كان مؤسساً لمشروع معرفي أراد من خلاله استنطاق القرآن وحواره معه بوصفه مصدراً لبناء نظرية معرفية ، ورؤية اسلامية حول دور الانسان في الحياة  .
اما التفسير  الموضوعي المتداول أشبه (بقالب فارغ) ، تغيب عنه الروح الحركية  الاستنطاقية التي وضعها الصدر، ويتحول إلى مجرد منهج مدرسي يفتقد للرؤية الكونية
فهناك فرق بين من يستخدم المنهج كـأداة مدرسية  تعليمية وعظية وبين من ابتكره كـ (مشروع نهضوي )
إنَّ ما قرأته لغيره قد يكون "تفسيراً لموضوع" ما ، أما عند الصدر فهو "صناعة نظرية"من خلال الموضوع ، وهو ركن أساسي في بنية  النظرية المعرفية ،

النتيجة :-

 ما يُتداول  حول مصطلح “التفسير الموضوعي” اليوم نراه قالباً جاهزاً، أو منهجاً مدرسياً يُستخدم لجمع الآيات حول موضوع واحد، ثم يتم شرحها لغوياً وتفسيرياً
هذا الاستخدام الشائع يبتعد كثيراً عن الروح التي وضعها الشهيد محمد باقر الصدر لهذا المنهج، بل يكاد يُفرغه من محتواه الحركي والمعرفي ، و بمراجعة بسيطة للمحاضرات في المدرسة القرانية يُلاحظ  الاختلاف الكبير بينهما .
الصدر صاحب الريادة في التفسير الموضوعي :-

بالرغم من ريادة الصدر لهذا النوع من التفسير ، وهو أول من طرح هذا المفهوم ، و يتم تجاهل ذلك ، لأسباب ساحاول عرضها باختصار :

1- كانت المحاضرات في أواخر  حياته الشريفة قبل استشهاده   ، ولا استطيع القول بأنَّ طلابه لم يستطيعوا استيعاب ما كان هدفه  في هذه المحاضرات ،  إلا أنَّ هذا المشروع لم نجد من تصدى لاكماله .

2-  مشروع الصدر مشروع متكامل  لايمكن تجزأته او حصره  في الفقه والاصول  وأغلب طلابه والمتميزين  منهم ركزوا على  هذين العلمين، و لم يتوسعوا في القران الكريم وتفصيل ذلك بحاجة الى مناقشة مستقلة ، ولا استطيع تسميته تقصيراً  لكنه بالتأكيد قصوراً منهم فقد حرمونا من إكمال هذا المشروع  الذي كان تأسيساً للتفسير  الموضوعي .

3-  اعدامه وشهادته أدت الى عدم استكمال كل الخطوط التي أرادها من هذه المحاضرات وغيرها  من حلقات مشروعه المعرفي ،فالملاحظ إنَّ هذه المحاضرات تأسيسية لمشروع اكبر ..
4-  حصار طلابه القسري بين الملاحقات الامنية التي ادت اعتقال واعدام قسم منهم ، وهجرة بعضهم خارج العراق ولم يجدوا البيئة المناسبة  لاكمال المشروع الصدري واكتفائهم بالفقه والاصول .
5- وعلى صعيد الساحة الاسلامية العامة  فقد لعبت الحالة المذهبية والسياسية دوراً كبيراً في تغييب هذا المنهج او على الاقل  تسمية التفسير الموضوعي باسمه ،
6- قد تكون لموضوع عدم الامانة العلمية دور في تغييب اسم الصدر عن التفسير الموضوعي حينما ينسب اخرون ذلك اليهم  ، ولا يشيرون الى وجود عالم كان أول من تطرق الى هذا النوع من التفسير .
7- ربما لعبت المذهبية ، والحالة السياسية دورها في تغييب  اسم  محمد باقر الصدر عن  ابتكار هذا  النهج التفسيري ، كما هو الحال مع علومٍ أُخرى منها الفقه ، الاصول  ، المنطق  والفلسفة .

أخر الأخبار