• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

الأسس المنطقية: قراءة في أدوات الصدر والمعايير الغربية - الدكتور مرتضى فرج نموذجاً

الأسس المنطقية: قراءة في أدوات الصدر والمعايير الغربية - الدكتور مرتضى فرج نموذجاً

  • اليوم, 12:35
  • مقالات
  • 46 مشاهدة
عبدالأمير الهماشي

"Today News": بغداد 

تُعدّ دراسة الدكتور الشيخ مرتضى فرج في كتابه «الاعتقاد العقلائي والاحتمال: تقديم نقدي وتطوير لفلسفة السيد محمد باقر الصدر» واحدة من أبرز المحاولات المعاصرة لإعادة تقديم مشروع الصدر بلغة أكاديمية حديثة ( اطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ساندرلاند ) .

لقد سعى فيها  الباحثُ  إلى قراءة «الأسس المنطقية للاستقراء» ضمن إطار المناهج التحليلية الغربية، معتمدًا على أدوات الاحتمال والصياغة الشكلية.
 وإنَّ هذه القراءة، على أهميتها تنتمي إلى منطق معرفي مختلف عن المنطق الذي اشتغل عليه الصدر (رض) نفسه الأمر الذي يستدعي نقاشاً منهجياً  هادئاً  يوضّح لنا طبيعة هذا الاختلاف، و يكشف لنا حدود كلٍّ من المنهجين دون مصادرة أو تحيّز.

الانزياح العلمي :-

يبدو هذا الانزياح طبيعيًا إذا أخذنا في الاعتبار أنَّ دراسةَ  الدكتور مرتضى كُتبت في سياق أكاديمي غربي، حيث تُعدّ لغة الاحتمال والصياغة الشكلية جزءً من المنهج التحليلي السائد ، و قد جاءت قراءته منسجمة مع هذا الإطار، لا بوصفها خروجًا على نصّ الصدر، بل بوصفها محاولة لترجمة مشروعه إلى لغة معرفية مختلفة.
هذا التحويل اللغوي والمنهجي، على أهميته أبعده عن المنطق الذاتي عند الصدر، وهو منطق يقوم على حركة العقل العملي وتراكم الشواهد وتولّد الاطمئنان، لا على الحسابات الاحتمالية أو الصيغ الرياضية كما هو في الفلسفة الغربية .

التحوّل الإبستمولوجي في قراءة  الدكتور مرتضى فرج :-

إنّ التحوّل الذي قام به الشيخ مرتضى لم يكن مجرّد اختلاف في العرض، بل هو اختلاف في تعريف المفهوم نفسه.
إنَّ نقل نظرية الصدر من منطق ذاتي عقلائي إلى إطار تحليلي غربي سيدفع بتغيير  التعريف ، فكل إطار معرفي يفرض أدواته ومعاييره. ولهذا وجد مرتضى نفسه مضطرًا إلى ربط (الاطمئنان العقلائي ) عند الصدر بمفاهيم (الاحتمال الرياضي) ، لأن البيئة العلمية التي ناقش فيها نظرية الصدر  لا تعترف باليقين العقلائي كحالة معرفية نفسية كما أراد صاحبها ، بل تطلب نماذج كمية وصيغاً احتمالية.
و تغير الامر من يقين عقلائي إلى احتمال رياضي، ومن تولّد عقلي إلى تولّد عددي.

قراءة الشيخ مرتضى لمنطق الصدر:-

لا بد من الإشارة إلى أنّ الشيخ مرتضى لم يكن يسعى إلى نقد منطق الصدر أو الإشكال عليه، ولم يدّعِ أنّ قراءته بديلٌ عن قراءة الصدر أو نقضٌ لها.
و إنَّ تسمية مشروعه (تقديم نقدي وتطوير)  يدل على ذلك ، أي إنه تحرّك داخل الإطار العام لنظرية الصدر لا خارجها ،و قراءته للنص دقيقة، واعية، وتكشف عن فهم جيّد للأسس التي بنى عليها الصدر مشروعه.

ولكن من المهم توضيح أنّ نقده لنظرية الصدر  كان خارج اطارها أي ضمن فلسفة  أُخرى ، وهي الفلسفة التحليلية الغربية وهذا نتيجة البيئة العلمية التي عُرضت فيها الدراسة.

هذا  الاختلاف في الإطار المنهجي واضح لأصحاب الاختصاص، ولا يمسّ بقيمة الجهد الذي قدّمه الباحث حفظه الله، بل يحدّد طبيعة اللغة الفلسفية التي عمل من خلالها، وبالتالي يفسّر اختلاف النتائج دون أن يعني سوء فهم أو تعارضًا في المقاصد.

 نظرية الاحتمال عند الصدر عقلائية:-

لقد أراد الصدر في (الأُسس ) بناء يقين عقلائي ينشأ من التولّد الداخلي للقرائن، و تسلسل انتقال العقل من شاهد إلى آخر حتى يبلغ درجة من الاطمئنان تكفي للعمل. وهذا ما يسمّيه الصدر التوالد العقلي: حركة معرفية–نفسية تتكوّن داخل الذهن،  وهذا لا علاقة له بالتوالد الرياضي الذي يعتمد على نسب رقمية وقوانين الاحتمال. فنظريته ليست مبنية على الاحتمالية بالمعنى الرياضي .

ما هو الفرق؟

وهنا يظهر جوهر الفرق بين المنهجين:

 الشهيد الصدر  تحدث عن العقل العملي ومنطق الاطمئنان، وهو منطق ذاتي عقلائي.
• بينما  الشيخ مرتضى قرأ  الأمر بلغة التحليل الاحتمالي، وهو منطق فلسفي غربي.


لذلك لا يمكن نقد أحدهما بأدوات الآخر، ولا اعتبار اختلافهما تناقضاً  بل هو اختلاف في اللغة الفلسفية التي تُترجَم بها النظرية.

خاتمة

بهذا يتّضح أنّ قراءة مرتضى، رغم قيمتها الأكاديمية، تمثّل مقاربة من إطار فلسفي مختلف، لا قراءة من داخل المنطق الذاتي الذي اشتغل عليه الصدر
 ومن الجدير ذكره إنَّ هذا الفارق المنهجي لا ينتقص من جهد الباحث، بل يحدّد طبيعة الأسئلة التي يطرحها، واللغة التي يستخدمها، والنتائج التي يصل إليها.
أمّا  نقد مشروع الصدر نفسه أو تطويره ،فيقتضي العودة إلى منطقه الداخلي، حيث تتولّد المعرفة من تراكم الشواهد والاطمئنان العقلائي والتوالد العقلي.

أخر الأخبار