شارع المتنبي والاقتصاد الثقافي
"Today News": بغداد
مقدمة
منذ التاريخ كانت المناسبات الدينية والثقافية تمثل فرصة جيدة للنشاط الاقتصادي . فمنذ عصر الجاهلية ، كان العرب يمارسون التجارة في موسم الحج ، حيث تتوافد القبائل العربية من أنحاء الجزيرة حاملين معهم بضائعهم للبيع في الموسم ، ويعودون بسلع أخرى إلى مناطقهم. واشتهرت قريش بالنشاط التجاري لما يحظى به القرشيون من مكانة واحترام لأنهم سدنة الكعبة التي يحج إليها آلاف العرب سنوياً.
وفي رحاب موسم الحج كان يقام سباق أدبي ، حيث يحضر الشعراء وممثلو القبائل في سوق عكاظ . يلقون بقصائدهم العصماء ، التي يفخرون بها بقبائلهم وأمجادهم وبطولاتهم ومآثرهم الفي الكرم والشجاعة. فيعود الحجاج بكل جديد في الشعر ، يحفظونه وينشرونه في مرابعهم ومضايفهم طوال العام.
الاقتصاد الثقافي
ويمكن تسميته بالاستثمار الثقافي ، وقد انتهبت دول كثيرة إلى أهمية الفعاليات الثقافية والأبنية الثقافية والتاريخية والتراثية في الترويج السياحي ، وجلب السياح من مختلف البلدان ، وتنشيط المرافق السياحية كالفنادق والمنتجعات والمطاعم والمقاهي والأسواق وحركة النقل ، ومكاتب الاتصالات والصيرفة وغيرها. وصارت دول كثيرة تعتمد على السياحة الثقافية في زيادة الدول القومي لها مثل مصر وتركيا واليونان واسبانيا وتونس والمغرب ، ودول أوربية أخرى مثل بريطانيا وفرنسا وغيرها ، التي تجلب مئات الملايين من السياح سنويا ، يساهمون بدخول عشرات المليارات من الدولارات. الأمر الذي ينعش اقتصادها ، ويوفر ملايين فرص العمل ، وارتفاع الاستثمارات ودخول رؤوس أموال كبيرة تضخ في الاقتصاد الوطني.
في السياحة يتم جذب السياح إلى المعالم الآثارية والتراثية والشعبية ، حيث تقام فيها المهرجانات الفنية والثقافية السنوية . وبذلك يجري استثمار الثقافة في أنشطة اقتصادية .
شارع الثقافة
طوال عقود من عمره المديد ، اقتصر شارع المتنبي على تجارة الكتب والقرطاسية ، ولكن منذ أن قمنا بافتتاح المركز الثقافي البغدادي عام ٢٠١١ ، ومبنى القشلة التراثي عام ٢٠١٣ ، حتى انطلق الشارع إلى آفاق جديدة. فصار منارة للثقافة يعج بالنشاطات والفعاليات الثقافية كل جمعة . وازدهر بيع الكتب التي تمثل العمود الفقري للحركة الثقافية. وصارت تقام ندوات وتجمعات ونشاطات تديرها منظمات واتحادات وجمعيات ثقافية ومنظمات مجتمع مدني . كما استقطب المبنيان (المركز الثقافي والقشلة) الوزارات لتقيم نشاطاتها فيهما ، إضافة إلى الجامعة العربية ومنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة.
المركز الثقافي البغدادي في الاقتصاد الثقافي
منذ افتتاحنا المركز الثقافي البغدادي في ١٤ شباط ٢٠١١ ، وفرنا فرص للعمل التجاري المحدود. إذ يتم تشجيع الفنانين والحرفيين على عرض منتوجاتهم اليدوية فيه ، من خلال وضع طاولات عرض المنتجات في باحة المركز لبيعها للزوار. الأمر الذي يجب الكثيرين لمشاهدة هذه الأعمال الفنية الفريدة. كما يوفر دخلاً بأصحاب الحرف والفنانين يكفي لاستمرارهم في الابداع والتألق.
من جانب آخر تقام في الباحة معارض للكتب تباع بأسعار رمزية ، تعرضها مؤسسات حكومية وأهلية. والمعارض تعرض أنواع الكتب الدينية الإسلامية والمسيحية ، والأدبية كالقصص والروايات ، والتاريخية والفنية والعلمية . وهي تجذب روادها الذين يأتون من بغداد والمحافظات الأخرى. الأمر الذي يشجع ويطوّر ويوسع من المساحة الثقافية .
كما افتتحتُ (مقهى السراي) في المركز الثقافي البغدادي ، مزود بكل ما يحتاجه رواد المركز من مشروبات ساخنة ومباردة وغيرها. يقدم القهوة بأنواعها (الكابتشينو والاسبرسو والأمريكية والتركية)
كما افتتح المقهى طارمة (تراس) تطل على الشط ، مزود بطاولات ومظلات وكراسي يتسع لمائة شخص. تم إغلاق المقهى ، يمكن التمتع بمشاهدة دجلة ، وخاصة في الشتاء عندما يكون الجو مشمساً.
القشلة والاقتصاد الثقافي
يبلغ عمر القشلة قرابة قرنين ، وهي معلم تراثي وحضاري وسياحي. كانت بناية مهملة تفترشها الادغال وتفترسها الجرذان. قمت في ٢١ آذار ٢٠١٣ بافتتاحها وتأهيل قاعاتها ، وبرج الساعة ، وحدائقها وممراتها لتكون رئة ثقافية أخرى لشارع المتنبي.
منذ اللحظة الأولى التي قررتُ إعادة إعمارها ، فكرت بالجنب السياحي مثل كل المعالم السياحية التي تحيط بالآثار والأبنية التراثية في القاهرة وإسطنبول وبيروت . فقمنا بتأسيس مطعم سياحي حديث ، يمكن للسياح وضيوف الدولة العراقية من زوار ودبلوماسيين ورجال أعمال ، إضافة إلى المواطنين ، الذين يزورون المتنبي ، ويبحثون عن استراحة معينة. ويقع المطعم عند الدخول من باب القشلة الجنوبي المقابل للمركز الثقافي البغدادي ، حيث يقع إلى يسار الممر . وقد تم تصميمه وفق طراز رافديني وبغدادي ، وديكورات للجدران والسقوف والانارة والتكييف. ولكن للأسف قامت وزارة الثقافة بفتح معرض للكتب التي تطبعها دورها ومطابعها حصراً . علماً بأن القشلة تعود ملكيتها لوزارة المالية ، وتقوم وزارة الثقافة بالإشراف عليها. كما امتنعت الوزارة من تأهيل القشلة ، وإدراجها ضمن مشاريع بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام ٢٠١٣ . وكانت الحكومة العراقية قد خصصت مبلغ (٥٠٠) مليار دينار لهذا المشروع ، لكن الوزارة عجزت عن بناء معلم حضاري مثل دار الأوبرا.
ولعدم وجود مطعم انتشر باعة الدولمة والكبة وخبز العروگ و باعة الماء والمرطبات والمثلجات وغيره في حدائق القشلة ، وبشكل عشوائي .
فكرتُ بتأسيس أكشاك نظامية صغيرة وبتصاميم مبتكرة تتناسق ومبنى القشلة والارث الحضاري لبغداد ، تبيع المرطبات والأطعمة ، وكذلك بطاقات ملونة عن بغداد ، وأعمال يدوية تمثل التراث البغدادي وأشهر المعالم الأثارية العراقية. يمكن للسائح والزائر من اقتنائها ، لتكون ذكرى جميلة لزيارته للقشلة.
شارع المتنبي والنشاط الاقتصادي
بعد تأهيله عام ٢٠٠٧ اثر انفجار سيارة مفخخة ، بدأ شارع المتنبي يكتظ برواده ، حيث صار مقصداً للباحثين عن الكتب ، وخاصة القديمة والرخيصة ، حيث يفترش الأرض أصحاب البسطيات ، يعضون بضاعتهم من الكتب المستعملة . وكان بعض الرواد يصطحبون عائلاتهم وأطفالهم لشراء ما يحتاجونه من قرطاسية وكتب مدرسية ، إضافة إلى التجول في الشارع ، ومشاهدة تمثال المتنبي الذي يقع في نهاية الشارع قرب نهر دجلة ، بين المركز الثقافي البغدادي والقشلة. وبدأ أصحاب القوارب الكبيرة والصغير بالقيام بجولات نهرية ، تزيد من متعة الزيارة.
نشط عمل المكتبات في بيع الكتب المطبوعة في العراق ، أو المستوردة من الخارج . كما ازداد عدد المكتبات ودور المنشورات والمطابع في الشارع والأزقة المتفرعة منه ، التي لا يلتفت إليها الزائر والسائح. وهذا العمل التجاري ، طباعة الكتب وبيعها ، وفر فرص عمل للعاملين فيها ، ومصدر رزق. وازدهرت تجارة الكتب والقرطاسية ، وصارت بعض الكتب المطلوبة تصدّر خارج العراق. كما زادت حركة التأليف والنشر ومعارض الكتاب بصورة عامة.
وكان الشارع قد شهد ظهور باعة الدولمة والعصير والماء والشلغم واللبلبي والباگلة والفلافل والكيك وغيره. وقد تكاثر هؤلاء الباعة مثل الفطر ، تزدحم بهم الأرصفة ، حتى ضج المثقفون والصحفيون والاعلاميون من مناظر القدور والطعام المعروض في الهواء الطلق ، إضافة إلى انعدام النظام في الشارع.
الأمر الذي دعا أمانة بغداد إلى منع الباعة المتجولين في شارع المتنبي. لكنهم يمارسون عملهم في الليل حيث يأتي زوار الشارع للتمشي فيه ، رغم أن أغلب مكتبات مغلقة ليلاً.
وقد افتتحت بعض المقاهي والمطاعم التي تلبي حاجة رواد المتنبي ، وقد صممت على الطراز الشعبي. ومؤخرا تم افتتاح مشروع (إقرأ داون تاون) في شارع السراي ، يضم مكتبة ، إضافة إلى المقاهي والمطاعم الشعبية . وقد افترشت الرصيف طاولات وكراسي تابعة لتلك المطاعم. الأمر الذي منح الشارع سمة سياحية ، يمتد حتى ساحة السراي حيث ينتصب تمثال الشاعرة نازك الملائكة . ويقابلها مقهى (منخل) أقيم في بيت تراثي جميل ، وآخر تأسس في مبنى دائرة الأوقاف القديمة.
من الظواهر الجميلة افتتاح أكشاك وبسطيات تبيع التذكارات والحقائب والمحفظات والأحزمة المزينة بإثار العراق ، أو زخارف عربية أو كتابة اسم المشتري على السلعة. كما تباع التماثيل الصغيرة الملونة التي تمثل المهن البغدادية القديمة ، أو المعالم التراثية مثل برج القشلة ، أو نصب التحرير والشناشيل البغدادية الجميلة.
وباعة هذه المنتجات هم يعرضونها فقط ، حيث توجد ورش لصناعتها ، أو تجار يستوردونها من الخارج . وبذلك يزدهر شارع المتنبي بالنشاط التجاري ، الذي يفتح باب الرزق فيه لمئات من المشتغلين وخاصة من الشباب.
كما توجد في الشارع محلات تبيع اللوحات التي تمثل المعالم التراثية والسياحية البغدادية مثل الدور والأزقة القديمة ، والأسواق والحارات ، والمساجد والمراقد المقدسة مثل الكاظمية ، وحتى مناظر الأهوار وبيوت القصب وغيرها. هذه اللوحات وراءها رسامون وفنانون يبدعون في رسمها ، واستلهام مفرداتها من الواقع البغدادي ، فتتحول بريشة الفنان إلى لوحة جميلة يشتريها السائح ، وخاصة العراقي القادم من الخارج ليضعها في صالون منزله ، تذكّره بالعراق وتراثه وأهله.
وهناك سوق السراي المجاور لشارع المتنبي ودكاكينها التي تبيع التذكارات واللوحات الجلدية الجميلة.
خاتمة
تبقى مسؤولية الجهات الحكومية مثل وزارة الثقافة وأمانة بغداد ووزارة العمل وغيرها في وضع دراسة جدوى ورؤية مستقبلية لإحياء المدينة القديمة في بغداد ، وكيفية استثمارها باتجاه التطوير السياحي والتجاري ، مع المحافظة على أصالتها ومرافقها التاريخية والتراثية . وأن تكون ورشة عمل وخلية نحل للابداع والابتكار والجمال والفن ، وتستقطب كل الفنانين والمبدعين . كما تجذب الأيدي العاملة ، وتخلصهم من البطالة والمطالبة بوظيفة حكومية .
يجب لا يفقد شارع المتنبي ومرافقه صفته الثقافية ويصبح مجرد دكاكين ومقاهي للجلوس وقتل الوقت . يجل أن تبقى الفعاليات الثقافية الموسمية والسنوية منارات حضارية وتاريخية ، تحافظ على الماضي والحاضر والمستقبل.
10-05-2026, 21:43 بعد الرد على المقترح .. 5 نقاط خلافية في مفاوضات إيران وأميركا
10-05-2026, 17:33 موقع عبري : واشنطن منعت تحقيقاً عراقياً عن القاعدة الإسرائيلية "السرية"
اليوم, 22:49 شارع المتنبي والاقتصاد الثقافي
د. صلا ح عبد الرزاق9-05-2026, 19:06 علي الاديب بين المراجعة والتعرية السياسية ..رؤية في حواره عبر بودكاتس سالم
عبدالأمير الهماشي6-05-2026, 14:54 وقفة مع مؤمنات القرآن الكريم (2) الجزء الرابع
عبدالأمير الهماشي28-04-2026, 18:49 وقفة مع مؤمنات القرآن الكريم (2) الجزء الثالث
عبدالأمير الهماشي