• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

القرآن الكريم بين التعرية المعرفية والهداية

القرآن الكريم بين التعرية المعرفية والهداية

  • اليوم, 20:13
  • مقالات
  • 26 مشاهدة
عبدالأمير الهماشي

"Today News": بغداد 

الجزء الثاني 


لقد ارتبط المصطلح حديثاً بنيتشه وفوكو ودريدا، إلا أن آليته أقدم بكثير.  
ففي اليونان مارسَ  سقراط شكلاً مبكراً من الكشف المعرفي عبر الحوار والدحض.  
وجاء أرسطو لاحقاً فحوّل هذه الطريقة إلى أداة منطقية منظمة في كتاب الجدل وكتاب القياس.  
وتُنسَب إلى أرسطو رسائل كثيرة بلغت نحو 150-200 كتاباً، لكن ما ثبت علمياً ، و ما وصل منه قرابة 30 كتاباً تُدرّس في الأكاديميات اليوم.

 مع الحداثة :-
مع  الحداثة تحوّل هذا الكشف إلى منهج صارم يقوم على السؤال المبني على الشك ، التفكيك ، نقد البنى العميقة ، كشف علاقات القوة ، تحليل الخطاب ، و أخيراً وليس أخراً مساءلة الأخلاق والمعنى والهوية.

ومن هنا يمكننا القول إنَّ التعرية ليست اختراعاً حديثاً، بل امتداد لمسار طويل من مساءلة اليقينيات والتشكيك بالثوابت، حتى وصلت في نهاياتها إلى ما يُطلق عليه اليوم الكشف عن الوهم.

 التعرية  المعرفية من أداة إلى غاية :-

إنَّ ما حدث في القرنين الأخيرين هو تحول التعرية من أداة للفهم إلى غاية بحد ذاتها.
صار الهدم هو النتيجة، بدلا من أنْ تكون مرحلة ،
وصار الشكّ نهاية، لا بداية.
وأصبح الإنسان يدور في حلقة نقد لا تنتهي حيث لا أفق ، لا سقف ، ولا يوجد  بديل، بلا بناء معرفي ، رغم إنَّ بعضهم فرض بديلاً لكنه ليس شاملاً ويكاد يختفي في زحمة الفوضى المعرفية .

أين المشكلة:-؟

هنا تظهر المشكلة التي ستعالجها هذه السلسلة:
التعرية الحديثة تكشف… لكنها لا تبني.
• تهدم… لكنها لا تقدم بديلاً في أغلبها
فتفصل الفرد عن المجتمع… ولا تقدّم بديلاً، بل تجعله تائها لحظياً لاتربطه الا المصالح الانية .
فالمشكلة ليست في التعرية  المعرفية وألياتها وحتى إنْ تحولت الى مساءلة المسلمات  او البديهيات كما فعل ارسطو على شرط انْ لا تفضي إلى الفوضى ،وأي سؤال بلا جواب  او من أجل  زرع الشك فنتيجته القلق والتيه او اللأدرية !!.

بينما القرآن الكريم لا يترك الإنسان في الفراغ ، فهو يكشف ليبني، ويهزم ليبني ، يسأل ويجيب على المستويين الفردي والجماعي فيعيد
 الجواب عن المشكلة :-
اذا توصلنا الى تلك الفرضيات والتعريفات عن التعرية المعرفية  ، وخطورة هذا المنهج فإننا سنبحث عن البديل والا سنكون في طور تعرية بلا هداية ايضا .
 أنا ادعي ان القران الكريم قد مارس التعرية وقدم البديل  ولهذا  تأتي هذه السلسلة .


وقد شعر بعض الفلاسفة  أنفسهم بواجب أخلاقي تجاه النتائج التي انتهت إليها هذه الممارسة، فحذّروا من آثارها على الإنسان والمعنى.
لكن المثال الأوضح لم يكن تحذيراً نظرياً، بل ما أسميه “انتفاضة نيتشه الفطرية”؛ تلك اللحظة التي حاول فيها نيتشه — بعد التعرية **— أن يبني منظومة بديلة تقوم على القوة وإعادة تقييم القيم، لكنها لم تصمد أمام لحظة الحقيقة وهي لحظة استفاقة الفطرة التي لا يستطيع الإنسان أن يهرب منها.
ففي تلك اللحظة انهارت القيم التي تبنّاها، لا لأنها ضعيفة فلسفياً، بل لأنها تصطدم بالإنسان نفسه.

وبالرغم من محاولات مدرسة التعرية المعرفية الفصل بين نيتشه الفيلسوف ونيتشه الإنسان، إلا أن هذا الفصل لا يصمد أمام منهجهم نفسه؛ فالتعرية — كما يدّعون — تهدف إلى إخراج الإنسان من دائرة الوهم، ومادتها الأساسية هي الإنسان ذاته. فكيف يُفصل بين الإنسان والفيلسوف في لحظة الانهيار؟
إن هذا الفصل ليس إلا التفافاً على الحقيقة، ومحاولة لتغطية لحظة انتفاضة الفطرة التي أسقطت القيم التي بناها نيتشه بعد التعرية ، وفي تعبيراتنا "إنه ضحك على الذقون."

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين التعرية التي تُسقط كل شيء، وبين الكشف القرآني الذي يفتح للإنسان طريق الهداية {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ}.كشفٌ يربط الإنسان بالكون وبنفسه، لا ليغرق في الشك، بل ليصل إلى اليقين.
ولا أُغالي إنْ قلت إنَّ نيتشة  الانسان كشف نوعاً من هذه الافاق في انتفاضته الفطرية ضد نيتشة الفيلسوف

---
*  استخدام الأسطورة  هنا بمعناه
الفلسفي، لا بمعناه الشائع الذي يساويها بالكذبة أو الخرافة؛
فالأسطورة في هذا السياق هي البنية التفسيرية الأولى التي يصنعها الإنسان ليمنح العالم معنى، قبل ظهور الفلسفة والعلم. إنها الإطار الذي يفسّر به الإنسان الوجود، لا حكايته الخيالية.
** * تُشير المصادر إلى حادثة العربة
والحصان في تورينو (1889)، حين
اندفع نيتشه ليحتضن حصاناً يُجلَد
في الشارع، ويواصل البكاء ،ثم توقف مساره بعدها مباشرة،
لا أقرأ هذه الحادثة بوصفها انهياراً نفسياً كما يحاولون تسميتها أو اوصفها بالتنافر المعرفي  نتيجة تراكمات  داخلية  ، ومن ثم عودة مفاجئة للذات بعد كل ما غطّاها من بناء فلسفي.
لكني أراها اللحظة التي ظهرت فيها الحقيقة كما هي، بلا أقنعة، حين خرج نيتشة  الانسان الفطري  من تحت طبقات الفكرة وواجه نفسه مباشرة  ليشعر بمعاناة حيوان ضعيف،  هنا خلع عباءته العلمية وعقله المجرد الذي دعى الى القوة وعاد الى فطرته ..
فالوعي الذي زرعه في غيره لم يجد له مستقراً في نفسه !!
وللحديث بقية

أخر الأخبار