• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

التوجه العالمي لهيمنة القوى الكبرى وتراجع القيم الإنسانية

التوجه العالمي لهيمنة القوى الكبرى وتراجع القيم الإنسانية

  • اليوم, 19:19
  • مقالات
  • 19 مشاهدة
د. وليد الحلي

"Today News": بغداد 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الامام محمد الباقر (ع): "قم بالحق، واعتزل ما لا يعنيك، وتجنب عدوك واحذر صديقك من الأقوام، إلا الأمين من خشي الله....."

مقدمة
يشهد العالم المعاصر تحولات خطيرة فرضت واقعًا تسوده الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية للقوى الكبرى على الشعوب والدول الضعيفة، حتى أصبحت المصالح والنفوذ هي المعيار الحقيقي في إدارة العلاقات الدولية، بعيدًا عن مبادئ العدالة وحقوق الإنسان التي تُرفع شعاراتها في المحافل الدولية.
وقد انعكس هذا الواقع في تصاعد الحروب والصراعات، وانتشار العقوبات الجماعية، وفرض سياسات الإقصاء والاحتكار، فضلًا عن استباحة حقوق الشعوب المستضعفة تحت ذرائع سياسية وإعلامية متعددة. وما يجري اليوم في فلسطين ولبنان  والجمهورية الإسلامية الإيرانية يمثل شاهدًا واضحًا على حجم المآسي الإنسانية الناتجة عن اختلال موازين العدالة وهيمنة منطق القوة على حساب القيم الإنسانية.

أولًا: أبرز مظاهر الهيمنة العالمية هي الهيمنة العسكرية:
أصبحت القوى الكبرى تمارس نفوذها العالمي عبر أدوات متعددة تهدف إلى فرض السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية على الدول الضعيفة أو تلجأ إلى استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها من أجل فرض النفوذ السياسي وإخضاع الشعوب والدول وحماية المصالح الاستراتيجية والاقتصادية، ودعم الحروب والصراعات لتحقيق أهدافها متجاوزة بذلك القوانين الدولية والمبادئ الإنسانية.

ثانيًا: الهيمنة الاقتصادية
تُستخدم الدول المعتدية العقوبات والحصار الاقتصادي إضافة الى الضغوط العسكرية والسياسية والإعلامية كوسائل ضغط تؤدي إلى: إضعاف الشعوب اقتصاديًا، ونشر الفقر والبطالة، والسيطرة على الثروات والموارد، ولتكريس التبعية الاقتصادية للدول الضعيفة.

ثالثًا: الهيمنة الإعلامية والفكرية
تعتمد القوى المتنفذة على الإعلام والتضليل من أجل تبرير الحروب والانتهاكات وتشويه صورة الشعوب المقاومة وتوجيه الرأي العام العالمي وفق مصالحها، وصناعة مفاهيم مزدوجة حول الحرية وحقوق الإنسان.

رابعا: تراجع القيم الإنسانية أمام منطق القوة
في ظل هذا الواقع، تراجعت المبادئ الإنسانية بصورة خطيرة، وأصبحت العلاقات الدولية في كثير من الأحيان تقوم على قاعدة: "القوي يفرض إرادته، والضعيف يدفع الثمن" ، وباتت حقوق الإنسان تُطبق بازدواجية واضحة، حيث يتم الدفاع عنها عندما تخدم مصالح القوى الكبرى، بينما تُهمل عندما تتعلق بالشعوب المستضعفة.
نتائج هذا التراجع الإنساني في اتساع دائرة الحروب والأزمات، وازدياد معاناة الشعوب الفقيرة، وتفكك المجتمعات وانتشار الخوف، وغياب العدالة الدولية الحقيقية، وتنامي ثقافة الاستبداد والاستغلال.

خامسا: ولهذا أصبحت الإنسانية تعيش أزمة أخلاقية حقيقية، غابت فيها الرحمة وحضرت فيها المصالح الضيقة وهيمنة القوة والطغيان. وهذا الواقع يكشف حجم الانحدار الأخلاقي الذي وصلت إليه البشرية عندما غابت القيم الإلهية والإنسانية عن مسار السياسة العالمية.

سادسا: رؤية الإمام محمد الباقر (عليه السلام) لواقع الظلم والطغيان:
قدّم الإمام محمد الباقر (ع) رؤية إصلاحية عميقة لطبيعة الظلم والاستبداد، موضحًا أن انحراف الإنسان عن القيم الإلهية يؤدي إلى انتشار الفساد وهيمنة الظالمين على مقدرات الشعوب، لإبتعادها عن طاعة الله وتحقيق القيم الأخلاقية، وتغليب المصالح الشخصية والسياسية على العدالة، والسكوت عن الظالمين ومداهنتهم، واستغلال السلطة والثروة لإخضاع الناس، وضعف الوعي الديني والأخلاقي لدى المجتمعات.
وقد حذر الإمام من خطورة الصمت أمام الظلم، لأن السكوت يمنح الطغاة شرعية الاستمرار في استبدادهم. ومن كلماته العظيمة في هذا المجال:
“أوحى الله تعالى إلى شعيب النبي (عليه السلام): إني معذب من قومك مائة ألف، أربعين ألفًا من شرارهم، وستين ألفًا من خيارهم. فقال: يا رب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله إليه: داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي”.

سابعا: منهج الإمام الباقر (عليه السلام) في مواجهة الهيمنة والفساد:
اعتمد الإمام الباقر (ع) منهجًا متكاملًا للإصلاح يقوم على بناء الإنسان الواعي القادر على مواجهة الانحراف والظلم من خلال ما يلي: .
1- نشر الوعي والمعرفة:  عمل الإمام على: نشر الثقافة القرآنية والإسلامية، وتوعية الأمة بخطورة الانحراف الفكري والسياسي، وبناء وعي مجتمعي يرفض الخضوع للطغيان.
2- بناء الإنسان الصالح: ركز الإمام على: ترسيخ القيم الأخلاقية، وإعداد جيل يتحلى بالإيمان والشجاعة، وتعزيز الصبر والثبات أمام الضغوط.
3-مقاومة الظلم والانحياز للمظلوم: أكد الإمام أن الإنسان المؤمن لا يكون أداة بيد الظالمين، لأنه يقف مع الحق مهما كانت التضحيات، ويرفض الخيانة والفساد والاستغلال.
4- ومن وصايا وحكم الامام الباقر (ع)  الخالدة: نذكر منها ما يلي:
“قم بالحق، واعتزل ما لا يعنيك”. و "إياكم والخصومة فإنها تفسد القلب وتورث النفاق”.
“إن ظُلِمت فلا تَظلِم، وإن خانوك فلا تخن”

ثامنا: ازدواجية حقوق الإنسان في العالم المعاصر
يشهد العالم اليوم تناقضًا واضحًا بين الشعارات التي تُرفع حول الحرية وحقوق الإنسان وبين الواقع العملي الذي تفرضه السياسات الدولية.
ومن صور الازدواجية الدولية ما يلي: دعم الحروب والاحتلال لتحقيق المصالح والصمت عن المجازر ضد الشعوب الضعيفة، واستخدام العقوبات لإذلال المجتمعات، وتبرير الانتهاكات عبر الإعلام والسياسة، وتجاهل معايير العدالة عندما تتعارض مع النفوذ السياسي.
وهذا الواقع يؤكد أن ميزان القوة أصبح يتقدم على ميزان العدالة، وأن المصالح الدولية باتت تتحكم في مصير الشعوب أكثر من المبادئ الإنسانية.

تاسعا: المسؤولية الإنسانية والأخلاقية:
إن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالقوة وحدها، بل تحتاج إلى مشروع أخلاقي وإنساني يعيد بناء الإنسان والمجتمع على أساس العدالة والوعي، ومسؤوليات المجتمعات في مواجهة الطغيان، ونشر الوعي والحقيقة، وتعزيز القيم الأخلاقية والإنسانية، وتربية الأجيال على رفض الظلم، والدفاع عن حقوق المظلومين، وبناء مجتمعات قائمة على العدالة والرحمة.
وقد أكد الإمام محمد الباقر (ع) أن إصلاح المجتمعات يبدأ بإصلاح الإنسان فكريًا وأخلاقيًا وسلوكيًا.

عاشرا: شهادة داعية الحقوق الإمام محمد الباقر (ع)
ولد الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، في المدينة المنورة في الأول من رجب سنة 57 هـ (677م)، وتولى الإمامة بعد استشهاد والده الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) سنة 95 هـ، واستمرت امامته 19 عاما.
تعرض الإمام محمد الباقر (ع) لحملات التضييق والاضطهاد من قبل السلطة الأموية بسبب دوره الإصلاحي والعلمي، ومواقفه الرافضة للظلم والانحراف. وقد استشهد مسمومًا بأمر من الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في السابع من ذي الحجة سنة 114 هـ، بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والجهاد الفكري والإصلاح الاجتماعي، ليبقى رمزًا للصبر والثبات في مواجهة الطغيان.
واليوم، تحتاج البشرية أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة القيم الإنسانية والإلهية التي تحفظ كرامة الإنسان، وتُرسخ العدالة، وتواجه هيمنة القوة والاستغلال، من أجل بناء عالم تسوده العدالة والحق والرحمة والسلام.
               وليد الحلي
           7 ذو الحجة 1447
          24-5-2026.

أخر الأخبار