اليائسون من رحمة الـلَّـﷻـۂ…رؤية قرآنية تدبرية[1_3]
"Today News": بغداد
????خصوصية المفردةالقرآنية83
◇◇(بحث في 3 حلقات)تستوقف المتدبّر في القرآن مفردة تبدو للوهلة الأولى واضحة الدلالة، ثم يكتشف كلّما تتبّع مواضعها في كتاب ٲلـلَّـﷻـۂ أنها أوسع من معناها الشائع، وأن السياق القرآني يكسوها في كل موضع ظلالًا خاصة.
ومن هذه المفردات «اليأس».
◇◇فاليأس في الاستعمال البشري اليومي يعني غالبًا:
_انقطاع الأمل،
_وانطفاء الرجاء،
_وشعور الإنسان بأن ما يرجوه قد أصبح بعيد المنال أو مستحيل الحصول.
◇◇ غير أن القرآن الكريم لا يعرض اليأس باعتباره حالة نفسية مجردة فحسب، وإنما يضعه في سياقات عقدية ونفسية وتشريعية متعددة؛
☆ويربطه تارة بالرحمة،
☆وتارة بالروح والفرج،
☆وتارة بالآخرة،
بل يستعمل مادة الكلمة في موضع يختلف فيه معناها عن هذا المعنى المشهور.
ومن هنا تبدأ خصوصية المفردة.
#اليأس:انقطاع الرجاء
◇◇اليأس في أصل اللغة يدور حول انقطاع الرجاء وقطع الطمع من الشيء. قال ابن فارس إن أصل المادة يدل على اليأس وقطع الرجاء، ومنه قولهم: يئس من الشيء، إذا انقطع رجاؤه منه.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن اليأس هو حالة يبلغ فيها الإنسان مرحلة انقطاع التوقع و الرجاء في حصول ما يطلبه أو زوال ما يكرهه.
◇◇غير أن القرآن لا يترك المفردة معلقة بهذا المعنى المجرد، وإنما يكشف عن دلالتها من خلال ما تتعلق به.
وهنا تظهر أهمية السؤال:
_ممَّ ييأس الإنسان؟
فليس اليأس في القرآن درجة واحدة، ولا متعلقًا بشيء واحد؛ إذ نجد:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87]
ونجد:
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [الممتحنة: 13]
ونجد:
﴿أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: 23]
كما نجد:
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: 4].
فالمفردة واحدة، و لكن المتعلَّق و السياق يصنعان خصوصية الدلالة.
#«يأس»في القرآن
◇◇وردت مادة «يأس» في القرآن في مواضع متعددة، بصيغ مختلفة، منها الفعل الماضي و المضارع وصيغة المبالغة، كما جاء منها «استيأس».
ومن أبرز مواضعها قوله تعالى:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
وقوله سبحانه:
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: 83].
وقوله:
﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: 110].
وقوله:
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [الممتحنة: 13].
وقوله:
﴿أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: 23].
ويستوقفنا هنا أن القرآن يستخدم «اليأس» و «الاستيئاس» و «اليؤوس» في سياقات مختلفة، فلا يصح أن نتعامل مع كل موضع على أنه تكرار للمعنى نفسه.
#اليأس ليس هو القنوط تمامًا
◇◇ومن الألفاظ القريبة من اليأس في القرآن القنوط.
قال تعالى:
﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 55-56].
وقال سبحانه:
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36].
◇◇وقد تستعمل كتب اللغة والتفسير اليأس والقنوط متقاربين، بل يفسر أحدهما بالآخر، غير أن تتبع الاستعمال القرآني يدعو إلى مزيد من التأنّي.
فاليأس يدل على انقطاع الرجاء، أما القنوط ففيه معنى أشد من ذلك، إذ يغلب عليه انقطاع الرجاء من الخير والفرج والرحمة.
ولذلك جاء التعبير:
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
فالمشكلة ليست مجرد حزن عابر، ولا مجرد تأخر في تحقق المراد، وإنما أن يتحول ذلك إلى حكم باطني على المستقبل: لا فرج، ولا رحمة، ولا مخرج.
#وبين اليأس والخيبة فرق
◇◇ومن الألفاظ القريبة كذلك الخيبة.
فالخيبة ترتبط بفوات ما كان مأمولًا، ولذلك لا تكون إلا بعد تعلق القلب بأمر ثم عدم حصوله.
أما اليأس فقد يأتي قبل تحقق الأمل أصلًا، حين ينقطع الرجاء في إمكان حصول الشيء.
ولهذا يمكن أن يخيّب الإنسان أمله في أمر، ثم لا ييأس من إمكان حصول غيره.
أما إذا استحكم اليأس، فإنه لا يكتفي بالإخبار عن عدم وقوع المطلوب، بل يصنع في النفس اعتقادًا بأن المطلوب لن يقع.
وهنا تكمن خطورته.
#والحزن ليس يأسًا
والقرآن يفرق كذلك بين الحزن واليأس.
فيعقوب ع فقد يوسف و اشتد حزنه حتى قال:
﴿يَا أَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: 84].
ثم قال:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
ومع ذلك، لم يتحول حزنه إلى يأس من ٲلـلَّـﷻـۂ، بل ظل الرجاء حاضرًا حتى قال لأبنائه:
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
وهذه الآية من أبلغ ما يكشف الفرق بين الحزن الذي يعتري القلب وبين اليأس الذي يقطع القلب عن الرجاء.
◇◇قد يحزن المؤمن،
وقد يتألم،
وقد تشتد عليه المحنة،
لكنه لا يجعل ألمه حاكمًا على رحمة ٲلـلَّـﷻـۂ.
وهنا تظهر خصوصية قرآنية بالغة الأهمية:
الحزن يمكن أن يجتمع مع الرجاء، أما اليأس من روح الله فيقطع الرجاء.
#«رَوح الله» لماذا هذا التعبير؟
◇◇ومن أجمل ما ينبغي التوقف عنده قوله تعالى:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾.
فلم يقل: لا تيأسوا من ٲلـلَّـﷻـۂ، وإنما أضاف اليأس إلى رَوح ٲلـلَّـﷻـۂ.
وقد فُسرت «رَوح الله» في هذا الموضع بالرحمة، والفرج، و التنفيس، واللطف؛ و كلها معانٍ تتجه إلى ما يزيل عن الإنسان ما هو فيه من كرب.
◇◇والمتأمل في سياق سورة يوسف يجد أن يعقوب ع لم يكن يطلب مجرد معلومة عن يوسف، وإنما كان يتطلع إلى تبدل الحال بعد طول الحزن.
ومن هنا جاء النهي:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾.
فكأن القرآن يربّي المؤمن على ألّا يجعل الواقع الراهن حاكمًا على المستقبل الذي يملكه ٲلـلَّـﷻـۂ.
وهذا معنى يتجاوز مجرد التفاؤل النفسي؛ إنه متعلق بصورة الإنسان عن ربه وقدرته ورحمته وتدبيره.
#«يئوس»حين يتحول اليأس إلى صفة
◇◇قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: 83].
لم يقل: «يئس»، وإنما قال:
﴿كَانَ يَئُوسًا﴾.
وصيغة «فَعول» تفيد المبالغة، وكأن اليأس هنا لم يعد حادثة عابرة، بل تحول إلى صفة متكررة في النفس.
وهذا يلفت النظر إلى أن القرآن يفرّق بين أن يقع الإنسان في لحظة يأس، وبين أن يصبح اليأس بنية نفسية تستجيب للشر دائمًا بالانقطاع والقنوط.
وهو معنى يلتقي مع قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19-21].
◇◇فالإنسان إذا لم يهذب علاقته بالـلَّـﷻـۂ وبالابتلاء وبالنعمة، قد يصبح أسيرًا لتقلب الواقع.
#الاستيئاس بلوغ الأمر غايته
◇◇ومن استعمالات المادة قوله تعالى في قصة يوسف:
﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110].
وقوله:
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: 80].
فالاستيئاس صيغة تحمل معنى اشتداد اليأس وبلوغه غايته.
واللافت في السياق الأول أن مجيء النصر جاء بعد اشتداد الأزمة:
﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ... جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.
وهذا لا يعني أن الرسل يئسوا من ٲلـلَّـﷻـۂ ورحمته، وإنما يبين شدة ما بلغته المواجهة مع أقوامهم، وأن النصر الإلهي قد يأتي في اللحظة التي تبدو فيها الأسباب البشرية وكأنها بلغت نهايتها.
◇◇وهنا تبرز قاعدة قرآنية جديرة بالتأمل:
بلوغ الأزمة ذروتها لا يعني بلوغ رحمة ٲلـلَّـﷻـۂ نهايتها.
◇◇واللافت أكثر:مفردة «يأس» قد تأتي بمعنى آخر
من أكثر مواضع مادة «يأس» إثارة للتأمل قوله تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31].
وقد ذهب عدد من أهل التفسير واللغة إلى أن «يَيْأَس» هنا بمعنى يعلم، مستدلين باستعمال عربي معروف.
وهذا الموضع مهم جدًا في بحث خصوصية المفردة؛ لأنه يذكّرنا بأن المعنى القرآني لا يُستخرج من المعجم وحده.
فاللفظة لا تُقرأ منفردة، وإنما تُقرأ داخل الجملة والسياق.
◇◇وهنا يمكن أن نستفيد من منهج العلامة الطباطبائي في الميزان؛ إذ إن تفسير المفردة عنده لا ينفصل عن موقعها في النظم القرآني وعلاقتها بما قبلها وما بعدها، وهو منهج بالغ الأهمية في دراسة خصوصية الألفاظ القرآنية.
فالمفردة القرآنية ليست مجرد «مقابل لغوي» نضعه في تعريف، وإنما هي وحدة دلالية تتحرك داخل السياق.
#اليأس من المحيض: استعمال آخر للمادة
ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: 4].
وهذا استعمال ينبغي ألا يحمل على اليأس النفسي أو العقدي؛ فالمراد انقطاع الرجاء في عودة المحيض بسبب بلوغ المرأة السن التي ينقطع فيها عادة.
ونمر عليه هنا مرورًا؛ لأنه يكشف لنا جانبًا مهمًا من خصوصية المفردة: أن اليأس قد يكون انقطاع رجاء متعلقًا بأمر فطري محسوس، ولا يلزم منه حزن أو قنوط مذموم.
وهذا يؤكد أن الحكم على دلالة المفردة لا يكون بمجرد سماعها، بل بالنظر إلى متعلَّقها وسياقها.
◇◇متعلَّق اليأس يكشف درجته
وبالنظر في الاستعمالات القرآنية يمكن أن نلاحظ أن القرآن يفتح أمامنا دوائر متعددة:
■اليأس من روح ٲلـلَّـﷻـۂ.
■اليأس من الرحمة.
■اليأس من الآخرة.
■اليأس عند مس الشر.
■اليأس من المحيض.
◇■◇وهذه الدوائر ليست متساوية؛
فحين يتعلق اليأس بـ الرحمة الإلهية، أو بـ روح ٲلـلَّـﷻـۂ وفرجه، فإنه يأخذ بعدًا عقديًا عميقًا؛ لأن المسألة لم تعد مجرد فقدان أمل في سبب من أسباب الدنيا، بل صارت متعلقة بما ينبغي أن يبقى في قلب المؤمن من رجاء بٲلـلَّـﷻـۂ.
ومن هنا نفهم لماذا جاء الوعيد شديدًا في بعض المواضع، و جاء النهي صريحًا في مواضع أخرى.
#اليأس في القرآن ليس مجرد حالة نفسية
◇■◇وهذه ربما تكون أهم نتيجة أولية في هذه الرحلة.
فالقرآن لا يعامل اليأس بوصفه مجرد انفعال نفسي من جنس الحزن والخوف.
◇■◇إنه قد يكون:
■حالة نفسية عندما يشتد على الإنسان الشر.
■وقد يكون انقطاعًا للرجاء من الخير أو الفرج.
■وقد يكون صفة مستقرة كما في «يئوس».
■وقد يكون متعلقًا بالآخرة.
■وقد يرتبط بصورة الإنسان عن قدرة ٲلـلَّـﷻـۂ ورحمته.
■بل قد يأتي في استعمال قرآني لا يراد به اليأس المعروف أصلًا.
ولهذا فإن دراسة المفردة تقتضي أن نتجاوز التعريف المدرسي إلى استقراء الاستعمالات.
وهنا تبدأ المفردة في الكشف عن خصوصيتها.
ويبقى السؤال الأهم:إذا كان القرآن قد نهى المؤمنين عن اليأس من روح ٲلـلَّـﷻـۂ، وذم القنوط من رحمة ٲلـلَّـﷻـۂ، فمَن هم أولئك الذين وصفهم وصفًا أشد فقال:
﴿أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾؟
لماذا نسب القرآن إليهم هذا اليأس تحديدًا؟
ولماذا سبق وصفهم بأنهم:
﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾؟
وهل كل من وقع في اليأس من الرحمة يدخل في هذه الشريحة؟
أم أن القرآن يرسم لنا فئة مخصوصة من اليائسين، ارتبط يأسها بموقف عقدي من آيات ٲلـلَّـﷻـۂ ولقائه؟
ذلك هو السؤال الذي سيقودنا من دراسة المفردة إلى دراسة الظاهرة القرآنية، لاحقاً.
#يتبع...
د.رعدهادي جبارة
الأمين العام
للمجمع القرآني الدولي
5-08-2026, 18:53 CNN : ترامب مهدد بخسارة معركة النفوذ مع ايران
اليوم, 17:25 اليائسون من رحمة الـلَّـﷻـۂ…رؤية قرآنية تدبرية[1_3]
د.رعدهادي جبارة3-08-2026, 23:43 الأربعينية... حين تُوحِّد كربلاء الإنسانية ويكتب العراق ملحمة العطاء
د.محمد عصمت البياتي3-08-2026, 12:08 عندما تتحدث الأرقام .. هل آن الأوان لإنقاذ اليمن وإعماره ؟
د.رعدهادي جبارة2-08-2026, 20:06 ما أهون الأرواح في زمن البعث
د. عطور الموسوي