• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

العراق يحتاج إلى ثورة فكر قبل ثورة إجراءات

العراق يحتاج إلى ثورة فكر قبل ثورة إجراءات

  • اليوم, 15:15
  • مقالات
  • 27 مشاهدة
ابراهيم العبادي

"Today News": بغداد 

ما من سياسة عظيمة إلا وتقف خلفها فكرة عظيمة (المفكر السوري المغترب ،الدكتور هاشم صالح ) وما من دولة نهضت من أزماتها إلا وكان وراء نهضتها رجال أفكار قبل أن يكونوا رجال سلطة. فالتاريخ الإنساني يعلمنا أن الحضارات لا تنهار أولاً في ميادين القتال ولا في الأسواق، بل تنهار في العقول حين يتوقف التفكير، وتجف منابع الإبداع، وتتحول السياسة إلى إدارة يومية للأزمات بدلاً من أن تكون صناعة للمستقبل.
لقد مرت أمم كثيرة بلحظات بدا فيها الانسداد كاملاً، حتى خُيل لأبنائها أن الخروج من الأزمة يكاد يكون مستحيلا، لكن المنعطف الحقيقي لم يبدأ بإجراءات إدارية أو قرارات حكومية، وإنما بدأ حين ظهرت أفكار جديدة أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمواطن، وبين الدين والسياسة، وبين الاقتصاد والإنتاج. أوروبا لم تخرج من عصورها المظلمة إلا بعد عصر الإصلاح الديني ثم عصر التنوير، واليابان لم تصبح دولة حديثة إلا بعد إصلاحات ميجي التي سبقتها مراجعات فكرية عميقة، وكوريا الجنوبية وسنغافورة لم تبنيا معجزتهما الاقتصادية إلا بعد أن تشكلت لديهما رؤية وطنية واضحة حول معنى الدولة والكفاءة والإنتاج. وحتى الصين، قبل أن تصبح القوة الاقتصادية الثانية في العالم، أعادت النظر في كثير من مسلماتها الفكرية والاقتصادية لتفتح طريقاً مختلفاً نحو التنمية.
هذه القاعدة لا تخص أمة دون أخرى؛ إنها قانون من قوانين التاريخ. فحين تدخل المجتمعات في حالة ركود طويل، يصبح التجديد الفكري والإصلاح السياسي ضرورة وجودية، لا ترفاً ثقافياً. أما حين يظل الجمهور متفرجاً ينتظر الحلول من النخبة أو من الأوليغارشيا الحاكمة، فإن المجتمع يفقد تدريجياً قدرته على تصحيح مساره، ويصبح الانحدار أقرب من النهوض. فلا أحد ينقذ الدولة سوى شعبها، ولا يصنع مستقبلها سوى طاقاتها البشرية، ومفكريها، ومثقفيها، وأهل الرأي فيها.
ومن هذه الزاوية تبدو الحياة السياسية في العراق وقد أصابها قدر كبير من الجمود. فهي تعيد إنتاج نفسها بالآليات ذاتها، والخطابات ذاتها، والوجوه ذاتها، والأزمات ذاتها، حتى أصبحت السياسة تدور في حلقة مغلقة لا تنتج حلولاً جذرية ولا تفتح أفقاً جديداً. ولم يعد الخلل مقتصراً على ضعف الأداء الحكومي أو تعثر المؤسسات، بل امتد إلى غياب المشروع الفكري القادر على إعادة تعريف الدولة العراقية ومستقبلها.
لقد انزوى أهل الفكر والرأي، أو جرى تهميشهم، بينما زهدت الأوليغارشيا السياسية بكل عقل مستقل لا يدور في فلكها. وفي المقابل، انصرف المجتمع عن السياسة بعد أن فقد الثقة بإمكان التغيير، واتسعت الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وبين المستفيدين من النظام القائم والأغلبية التي تتحمل كلفة بقائه. وحين تتآكل الثقة بهذا الشكل، تصبح الانتخابات مجرد محطة دورية، لا وسيلة لتجديد الشرعية أو تصحيح المسار.
إن العراق لا يحتاج اليوم إلى تعديلات جزئية بقدر حاجته إلى نهضة ثقافية وفكرية ورؤيوية تعيد الحياة إلى الأسس التي تقوم عليها أي دولة حديثة. يبدأ ذلك من إعادة بناء مفهوم الشرعية على أساس الإنجاز والكفاءة وسيادة القانون، ويمر بإعادة تأسيس الأحزاب على برامج وطنية لا على الهويات المغلقة، وينتهي بتفكيك هيمنة الأوليغارشيا التي احتكرت القرار السياسي والاقتصادي والإعلامي، وكأن الدولة أصبحت امتداداً لمصالحها الخاصة لا إطاراً جامعاً للمجتمع.
ولا يكفي تشخيص هيمنة هذه القوى، بل ينبغي كشف منظومات الأفكار والشعارات التي تمنحها شرعية البقاء، وفضح شبكات المصالح التي تربط المال بالسلطة والإعلام بالقانون، لأن السيطرة لا تُمارس بالقوة وحدها، وإنما تُمارس أيضاً عبر احتكار الرواية، وصناعة الوعي، وتحديد ما يجوز مناقشته وما ينبغي إسكاته. ولهذا فإن معركة الإصلاح تبدأ بتحرير المجال العام من الاحتكار الفكري قبل أن تبدأ بإصلاح المؤسسات.
إن الأزمة العراقية ليست في نقص الموارد، ولا في غياب الكفاءات، وإنما في غياب المشروع الذي يجمعهما.
والأكثر إيلاماً أن الإنتاج الفكري والنقد الثقافي في العراق لم يتحول حتى الآن إلى قوة اجتماعية ضاغطة. فما زالت الجامعات، ومراكز الدراسات، والنخب الثقافية، عاجزة عن إنتاج مشاريع كبرى تستقطب الرأي العام وتفرض نفسها على جدول أعمال السياسة. وكأن العراق قد أصابه نوع من العقم الفكري الذي جعل السياسة تعيش على إعادة تدوير الأفكار القديمة والخطابات المستهلكة.
إن فقر السياسة ليس سوى انعكاس لفقر الأفكار. فحين تضعف الفكرة يضعف العقل، وحين يضعف العقل يصبح الجمهور أسيراً للشعارات والانفعالات، ويصبح الإعلام المهيمن قادراً على إدارة النقاش العام وفق المسارات التي ترسمها الأوليغارشيا نفسها. وهكذا تتحول الحياة السياسية إلى لعبة دائرية، يتغير فيها اللاعبون أحياناً، لكن قواعد اللعبة تبقى ثابتة، وتبقى النتائج واحدة.
إن العراق بحاجة إلى جيل جديد من المفكرين والمثقفين والباحثين والسياسيين الذين يمتلكون الجرأة على مراجعة المسلمات، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى: ما الدولة التي نريد؟ وما الاقتصاد الذي نبحث عنه؟ وما شكل العقد الاجتماعي الذي يعيد الثقة بين المجتمع والسلطة؟ وكيف ننتقل من دولة الريع إلى دولة الإنتاج، ومن الولاءات الضيقة إلى المواطنة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل؟
فالأمم لا تصنعها الثروات وحدها، ولا تنقذها القوانين وحدها، ولا تبنيها الحكومات وحدها، وإنما تصنعها الأفكار الكبيرة التي تتحول إلى إرادة عامة. وكل إصلاح إداري لا يسبقه إصلاح فكري سيظل محدود الأثر، وكل تغيير سياسي لا يستند إلى نهضة ثقافية سيعود بعد سنوات إلى النقطة التي بدأ منها.
ولهذا فإن العراق، قبل أن يحتاج إلى ثورة في الإجراءات، يحتاج إلى ثورة في الأفكار؛ لأن الأفكار هي التي تصنع السياسة، والسياسة هي التي تصنع الدولة، والدولة هي التي تصنع المستقبل.

أخر الأخبار