المجتمع والدولة في العراق الحديث
"Today News": بغداد
تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن الهابيتوس الشيعي وأثره في التفكير بقضايا الدولة ومسؤولياتها ووظائفها، وكيف يمكن لنمط تطبعي هابيتوسي تلقائي، لم يخضع للتحديث والمراجعة، أن ينتج مشكلات كبيرة حين يواجه منطق الدولة الحديثة ومتطلبات إدارتها وعلاقاتها ومصالحها. لكن المسألة لا تتوقف عند حدود الهابيتوس الخاص بهذا المكون أو ذاك، وإنما تمتد إلى السؤال الأوسع المتعلق بالعلاقة الملتبسة بين المجتمع العراقي والدولة.
فالمجتمع العراقي، في واقع تاريخه الحديث والمعاصر، لم يكن منسجماً تماماً في رؤيته للدولة، ولا في تحديد ما يريده منها وما يلتزم به تجاهها. وهذه ليست مسألة طارئة أو مرتبطة بمرحلة سياسية بعينها، وإنما هي نتيجة تراكمات تاريخية واجتماعية وسياسية مختلفة صنعت لكل مكون تصوراً خاصاً عن الدولة والسلطة وعلاقتهما به.
فالاجتماع الشيعي، في بعض تجلياته السياسية، ظل يعاني علاقة مضطربة مع السلطة والدولة، حتى حين أصبحت السلطة في مرحلة ما بيد قوى شيعية. فالمشكلة لم تعد في كون الدولة تمثل أغلبية مذهبية أو لا تمثلها، وإنما في طريقة النظر إلى الدولة ذاتها؛ إذ يمكن أن تتقدم العقيدة الصلبة والهوية والذاكرة الجمعية على مقتضيات إدارة الدولة ومصالحها وعلاقاتها وتحالفاتها، وكأن الدولة ينبغي أن تتكيف دائماً مع منطق الجماعة، وليس أن تتعامل الجماعة مع الدولة باعتبارها إطاراً عاماً تتساوى فيه المصالح والحقوق والواجبات. اذ يصبح الانتقال من منطق الهوية إلى منطق الدولة انتقالاً بالغ الصعوبة.
أما الاجتماع السني، فقد تشكل تاريخياً في بيئة أكثر التصاقاً بالسلطة والدولة، بحكم إرث طويل من ممارسة الحكم والولاية العامة والنفوذ السياسي والإداري. ولذلك تبدو علاقته بالسلطة، في كثير من تجلياتها، أكثر انتظاماً مع مفهوم الدولة ومقرراتها وهيبتها، ما دامت السلطة تُفهم بوصفها امتداداً طبيعياً لموقعه التاريخي في الحكم. غير أن هذه العلاقة نفسها يمكن أن تنقلب، حين يشعر المكون بفقدان ذلك الموقع، إلى شعور بالإقصاء أو فقدان المكانة أو الحنين إلى مرحلة كانت فيها الدولة أقرب إلى تمثيله. أي أن الانتظام مع الدولة لم يكن دائماً نتاج مفهوم حديث للمواطنة، بقدر ما كان مرتبطاً أحياناً بمن يشغل موقع السلطة ومن يمتلك حق ممارسة النفوذ.
أما الاجتماع الكردي، فقد تشكل في ظروف مختلفة. فالكرد لم يعيشوا تجربة الدولة القومية المستقلة التي تجعل الدولة الوطنية إطاراً مكتملاً للعلاقة بين المجتمع والسلطة، وإنما عاشوا زمناً طويلاً في خصومة مع الحكومات المركزية، تراوحت بين التمرد والحرب والتفاوض والتسويات. ولذلك تطور سلوك سياسي أكثر براعة في استخدام أدوات الضغط والمساومة والتحالفات، وفي ترتيب العلاقات مع القوى الخارجية المؤثرة قبل الاكتفاء بالعلاقات الداخلية، بهدف توظيف البيئة الإقليمية والدولية في خدمة الطموح القومي. فحين يكون الهدف القومي واضحاً، تصبح التحالفات الخارجية والضغوط السياسية والقدرة على التأثير في مواقف القوى الكبرى أدوات في مشروع سياسي أوسع.
هذه الاختلافات لا تعني أن الشيعة أو السنة أو الكرد كتلة واحدة متجانسة، ولا تعني أن أحد هذه المكونات أكثر وطنية أو احتراماً للدولة من غيره، وإنما تكشف عن اختلاف في الذاكرة السياسية وفي طريقة تشكل العلاقة مع السلطة والدولة. والمشكلة تظهر حين تجتمع هذه التصورات المختلفة داخل دولة واحدة، من دون أن تنجح في إنتاج تصور مشترك للدولة التي يعيش الجميع في إطارها.
تكمن إحدى أعقد مشكلات العراق: الدولة ليست دائماً في وعي الجماعات السياسية والاجتماعية مؤسسةً محايدةً ومشتركة، وإنما تتحول أحياناً إلى وسيلة لحماية الجماعة، أو مجال لتعويض خسارات تاريخية، أو أداة للحصول على النفوذ، أو ساحة للمساومة وانتزاع المكاسب. وعندما تتحول الدولة إلى موضوع للتنافس بين الجماعات بدلاً من أن تكون الإطار الذي ينظم التنافس بينها، يصبح بناء الدولة نفسها مهمة شديدة التعقيد.
إن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على تفاهمات مؤقتة بين الجماعات، ولا على موازين القوة بينها، وإنما تحتاج إلى عقد سياسي واجتماعي واضح: الدولة توفر الأمن والعدالة والخدمات والحقوق، والمجتمع يقبل القانون، ويدفع كلفة الدولة، ويحترم مؤسساتها، ويقبل التداول السياسي، ولا يجعل هويته الخاصة بديلاً عن الإطار الوطني العام.
ولذلك فإن مشكلة العراق ليست فقط في ضعف مؤسسات الدولة أو سوء إدارة السلطة، وإنما في أن المجتمع نفسه لم يصل بعد إلى تصور مشترك ومستقر لمعنى الدولة ووظيفتها وحدود العلاقة معها. فبناء الدولة لا يبدأ من المؤسسات وحدها، وإنما يبدأ أيضاً من إعادة بناء العلاقة النفسية والسياسية والاجتماعية بين المواطن والدولة.
وربما تكون المسألة الأكثر أهمية التي ينبغي أن نطرحها اليوم هي: هل نريد دولةً تعكس توازن الجماعات، أم دولةً تصنع الإطار الذي تتعايش داخله هذه الجماعات؟ فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة تبقى رهينة مكوناتها، ودولة تصبح ملكاً لمواطنيها جميعاً.
المشكلة ليست أن العراقيين لا يريدون الدولة، وإنما أنهم لم يتفقوا بعد بصورة كاملة على أي دولة يريدون، وما الذي يحق لهم أن يطلبوه منها؟، وما الذي يتوجب عليهم أن يلتزموا به تجاهها؟. وهذه هي العقدة الأعمق في العلاقة بين المجتمع والدولة، ومنها ينبغي أن يبدأ أي تفكير جدي في إعادة بناء الدولة .
12-09-2026, 11:56 بمشاركة العراق .. تفاصيل أول لقاء إيراني - خليجي حول مضيق هرمز
11-09-2026, 15:44 تقرير .. سيطرة الحوثيين على باب المندب تضع باكستان وتركيا في حرج
اليوم, 10:43 المجتمع والدولة في العراق الحديث
ابراهيم العباديأمس, 21:22 شذرات من سيرة الشيخ الداعية مهدي العطار
/7-09-2026, 12:04 الهابيتوس الشيعي والدولة -2-
ابراهيم العبادي6-09-2026, 10:33 رؤية قرآنية .. فقه الكلمة في الخطاب الإسلامي [3-3]
د.رعدهادي جبارة