أربعينية الإمام الحسين (ع) مسيرة الإصلاح في مواجهة الظلم والطغيان
"Today News": بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام الحسين (ع): (إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب).
تُعدُّ أربعينية الإمام الحسين (ع) أكبر تجمع جماهيري سنوي في العالم، حيث يفد ملايين الزائرين من داخل العراق وخارجه إلى مدينة كربلاء المقدسة، تعبيرًا عن الولاء لمبادئ النهضة الحسينية وتجديدًا للعهد بالسير على نهجها الإصلاحي. ولم تعد هذه المناسبة مجرد شعيرة دينية أو ذكرى تاريخية، بل أصبحت مدرسةً إنسانيةً عالميةً تُجسد قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية والتضحية والإيثار والتكافل الاجتماعي، وتؤكد رفض الظلم والطغيان والفساد بكل أشكاله.
ويجسد إصرار الملايين على السير مشيًا على الأقدام، وتحمل المشاق والمسافات الطويلة، عمق الإيمان برسالة الإمام الحسين (ع)، وإيمانهم بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإصلاح الإنسان، وإقامة العدل، وصيانة كرامته، والدفاع عن حقوقه، وترسيخ قيم المسؤولية والالتزام بالمبادئ.
أولًا: الأربعينية امتدادٌ لنهضة الإصلاح
تمثل مسيرة الأربعين الامتداد العملي لنهضة الإمام الحسين (ع)، فهي ليست استذكارًا لواقعة تاريخية فحسب، وإنما تجديدٌ سنوي لعهد الالتزام بالمبادئ التي خرج من أجلها الإمام، وفي مقدمتها إقامة العدل، ونشر الفضيلة، واحترام حقوق الإنسان، ومقاومة الظلم والطغيان، ورفض الفساد والانحراف، والانتصار للحق بعيدًا عن المصالح الشخصية والأهواء.
كما تؤكد هذه المسيرة أهمية الوعي في اختيار القيادة الصالحة، والتمسك بالقيم والثوابت، وعدم الخضوع للطغيان مهما بلغت قوته، لأن قوة المبادئ أبقى من قوة السلاح، وإرادة الشعوب المؤمنة بالحق أقوى من إرادة المستبدين.
ثانيًا: أهداف المشروع الإصلاحي للإمام الحسين (ع):
لقد قامت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) على مشروع إصلاحي متكامل، يمكن إبراز أهم أهدافه فيما يأتي:
أ- إقامة العدل ومقاومة الظلم
جعل الإمام الحسين (عليه السلام) إقامة العدل أساس مشروعه الإصلاحي، ورفض جميع صور الظلم والاستبداد والفساد، وعدَّ الإصلاح مسؤولية شرعية وأخلاقية تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه.
ب- صيانة كرامة الإنسان
أكدت النهضة الحسينية أن الإنسان مكرمٌ من الله تعالى، وأن الحفاظ على كرامته وحريته وحقوقه من أهم مقاصد الشريعة، فلا يجوز إخضاعه للذل أو الاستبداد أو مصادرة إرادته.
ج- الأخلاق أساس الإصلاح
لم تكن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) طلبًا للسلطة أو تحقيقًا لمصلحة شخصية، وإنما كانت مشروعًا أخلاقيًا لإحياء قيم الإسلام الأصيلة، وترسيخ الصدق والأمانة والعدل والرحمة والإيثار.
د- مواصفات الحاكم العادل
بيّن الإمام الحسين (عليه السلام) أن الحاكم الشرعي هو من يحكم بكتاب الله، ويقيم العدل والقسط بين الناس، ويلتزم بدين الحق، ويجعل سيادة القانون والعدالة أساسًا لإدارة الدولة، ويؤدي الأمانة ويحفظ حقوق الرعية.
هـ- بناء الإنسان المسؤول
هدفت النهضة الحسينية إلى بناء الإنسان الواعي المسؤول، القادر على تحمل مسؤولياته الدينية والوطنية والاجتماعية، والمشارك في بناء المجتمع وإصلاحه، والمحافظ على أمن وطنه واستقراره ووحدته.
و- الإعلام الرسالي
اعتمد الإمام الحسين (عليه السلام) الخطاب الواعي في بيان أهداف نهضته، وكشف حقيقة الانحراف، وإقامة الحجة على الأمة، ثم واصل هذا الدور الإمام زين العابدين (عليه السلام) والسيدة زينب (عليها السلام) من خلال خطبهما ومواقفهما التي حفظت أهداف النهضة من التحريف، وأسهمت في إيصال رسالتها إلى الأجيال.
ز- الدروس المستفادة
تدعو النهضة الحسينية إلى تعزيز وحدة المجتمع، واحترام حقوق الإنسان، والمحافظة على الوطن وسيادته، وترسيخ قيم المواطنة الصالحة، وخدمة الناس، ومكافحة الفساد، والحذر من الفتن، ومواجهة محاولات تمزيق وحدة الأمة.
ثالثًا: النهضة الحسينية مشروع إصلاح دائم
لم تنته رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) باستشهاده في كربلاء، بل بقيت مشروعًا إصلاحيًا متجددًا يستلهم منه الأحرار في مختلف الأزمنة مبادئ الحرية والعدل والكرامة. وقد أصبحت مسيرة الأربعين أحد أبرز مظاهر هذا الامتداد الحضاري، إذ تجتمع فيها قيم الإيمان والتكافل والتسامح والتعاون وخدمة الإنسان دون تمييز، بما يعكس الصورة المشرقة للمجتمع العراقي، ويعزز مكانة العراق بوصفه حاضنًا لأكبر تجمع ديني وإنساني في العالم.
كما أصبحت هذه المناسبة الوطنية والإنسانية ميدانًا للتعاون بين مؤسسات الدولة والقوات الأمنية والمواكب الحسينية والمتطوعين، في تنظيم هذا الحدث الكبير، بما يعكس روح المسؤولية المشتركة في خدمة الزائرين، والمحافظة على الأمن والنظام، وإظهار الوجه الحضاري للعراق أمام العالم.
رابعًا: انتفاضة صفر عام 1397هـ – 1977م
تعرضت مسيرة الأربعين خلال حكم النظام البعثي البائد إلى محاولات متكررة للمنع والقمع، وكان أبرزها ما جرى في انتفاضة صفر عام 1397هـ الموافق 1977م، عندما حاول النظام منع انطلاق المسيرة من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة، مستخدمًا القوات العسكرية والدبابات والأسلحة المختلفة لقمع الزائرين. ورغم الاعتقالات الواسعة، والأحكام الجائرة، وإعدام عدد من المشاركين، واصلت الجماهير الحسينية مسيرتها بإيمان وصبر، مؤكدة تمسكها بحقها في ممارسة شعائرها الدينية. وقد عبّر المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) عن هذه الحقيقة بقوله:
( ولكن الجماهير أقوى من الطغاة مهما تفرعنوا).
خامسًا: مسؤولية تحويل المبادئ إلى سلوك
إن رسالة الإمام الحسين (ع) لا تقتصر على إحياء الذكرى، وإنما تدعو إلى تحويل مبادئ النهضة إلى سلوك عملي في جميع ميادين الحياة، من خلال الالتزام بالصدق والأمانة، واحترام القانون، والمحافظة على المال العام، ومكافحة الفساد، والدفاع عن حقوق الإنسان، وترسيخ العدالة، وتعزيز قيم التسامح والتعاون والتكافل، والعمل بإخلاص لبناء الوطن وخدمة المواطنين.
فالإصلاح الذي دعا إليه الإمام الحسين (عليه السلام) يبدأ بإصلاح النفس والأسرة والمجتمع، وينتهي ببناء الدولة العادلة التي تقوم على سيادة القانون، وحماية الحقوق، وتحقيق المصلحة العامة.
سادسًا: ستبقى مسيرة الأربعين حية في كل عام إن شاء الله
لقد أثبت التاريخ أن الأنظمة المستبدة قد تمتلك القوة والسلاح، لكنها لا تستطيع القضاء على المبادئ التي تؤمن بها الشعوب. وقد شهد العراق ذلك بوضوح، حين حاول النظام البعثي البائد منع مسيرات الأربعين، فسقط النظام، وبقيت رسالة الإمام الحسين (ع) أكثر حضورًا وانتشارًا، وأصبحت كربلاء المقدسة قبلةً لملايين الأحرار من مختلف دول العالم.
إن الإمام الحسين (ع) لم يقدّم نفسه وأهل بيته وأصحابه دفاعًا عن قضية تخص عصرًا معينًا أو مجتمعًا بعينه، وإنما ضحّى من أجل المبادئ الإلهية والإنسانية الخالدة؛ ليبقى الحق منتصرًا على الباطل، والعدل غالبًا للظلم، والكرامة الإنسانية محفوظة في ضمير الأجيال.
ومن هنا، فإن مسيرة الأربعين ليست حدثًا تاريخيًا يتكرر كل عام فحسب، وإنما هي رسالة حضارية متجددة تؤكد أن الإصلاح مسؤولية مستمرة، وأن بناء الإنسان الصالح، والمجتمع المتماسك، والدولة العادلة، هو الطريق الأمثل لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من السائرين على نهج الإمام الحسين (عليه السلام)، والعاملين بمبادئه، والمخلصين لرسالة جده المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله)، وأن يحفظ العراق وشعبه، ويوفق أبناءه إلى ترسيخ العدل والوحدة والإصلاح، إنه سميع مجيب.
والرحمة والخلود لشهداء العراق وشهداء النهضة الحسينية، ولكل من ضحّى دفاعًا عن الحق والعدل والكرامة الإنسانية، والحمد لله رب العالمين.
وليد الحلي
16 صفر 1448- 30/7/2026
اليوم, 14:38 أربعينية الإمام الحسين (ع) مسيرة الإصلاح في مواجهة الظلم والطغيان
د. وليد الحلي27-07-2026, 15:15 العراق يحتاج إلى ثورة فكر قبل ثورة إجراءات
ابراهيم العبادي25-07-2026, 15:50 فرص بغداد في إدارة العلاقة بين واشنطن وطهران
د. حسين رياض25-07-2026, 14:30 رحيل الأمين الشيخ محمد رضا النعماني
حسين بركة الشامي