الأربعينية... حين تُوحِّد كربلاء الإنسانية ويكتب العراق ملحمة العطاء
"Today News": بغداد
في عالمٍ تتكاثر فيه أسباب الانقسام، وتتصاعد فيه النزاعات والصراعات، تبرز زيارة الأربعين بوصفها واحدةً من أعظم الظواهر الإنسانية والروحية في العصر الحديث؛ فهي ليست مجرد مناسبة دينية لإحياء ذكرى مرور أربعين يومًا على استشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام، سبط النبي محمد صل الله عليه وآله وسلم، في واقعة كربلاء عام 61 للهجرة (680م)، بل هي رسالةٌ عالميةٌ متجددة، تستلهم منها الإنسانية معاني الحرية والعدالة والكرامة والإيثار.
ويفد إلى مدينة كربلاء المقدسة في هذه المناسبة ملايين الزائرين من مختلف دول العالم، ينتمون إلى أعراقٍ وثقافاتٍ ولغاتٍ متعددة، ليشاركوا في أكبر تجمعٍ بشريٍّ سنويٍّ يشهده العالم، في مشهدٍ استثنائي يجسد وحدة الإنسان حول منظومةٍ من القيم السامية، ويؤكد أن المبادئ العظيمة قادرةٌ على تجاوز الحدود والجغرافيا والانتماءات الضيقة.
ليست الأربعينية حدثًا يُقاس بعدد المشاركين فحسب، وإنما تُقاس بما تحمله من رسائل أخلاقية وإنسانية عميقة. فهي مدرسةٌ تُعلِّم أن التضحية من أجل الحق تصنع التاريخ، وأن الكرامة لا تُساوَم، وأن خدمة الإنسان أسمى صور العبادة. ولهذا أصبحت كربلاء، في هذه الأيام، ملتقىً للقلوب قبل الأقدام، ومنارةً تستلهم منها الشعوب معاني الصبر والتسامح والتكافل والتعايش.
وفي هذا المشهد المهيب، يبرز الشعب العراقي بكل أطيافه ومكوناته بوصفه البطل الصامت لهذه الملحمة الإنسانية. فمن أقصى شمال العراق إلى جنوبه، تتجسد أسمى معاني الكرم والإيثار، إذ تفتح البيوت أبوابها قبل المواكب، وتمتد الأيادي بالعطاء قبل السؤال، ويتسابق الرجال والنساء والشباب والأطفال إلى خدمة ملايين الزائرين، دون تمييز في جنسية أو قومية أو مذهب أو لغة، إيمانًا منهم بأن خدمة زائر الإمام الحسين عليه السلام شرفٌ ورسالةٌ وقيمةٌ إنسانية قبل أن تكون واجبًا دينيًا.
إن ما يقدمه العراقيون خلال الأربعينية ليس مجرد ضيافة، بل نموذجٌ حضاريٌ فريد للتكافل الاجتماعي والعمل التطوعي والتعايش الإنساني، حيث تتكاتف الجهود الشعبية مع المؤسسات الرسمية والأجهزة الأمنية والخدمية والصحية لتنظيم واحدةٍ من أعقد وأضخم الحركات البشرية السلمية في العالم، في صورةٍ تعكس أصالة هذا الشعب وقدرته على تحويل الإيمان إلى عمل، والمحبة إلى عطاء، والقيم إلى واقعٍ يعيشه الملايين.
وفي الذكرى الخالدة للأربعين، نتقدم بأصدق مشاعر العزاء إلى مقام صاحب العصر والزمان الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وإلى الأمة الإسلامية، وإلى جميع الأحرار في العالم، مستذكرين نهضة الإمام الحسين عليه السلام التي لم تكن حدثًا عابرًا في التاريخ، بل مشروعًا إنسانيًا خالدًا انتصر فيه الحق على الباطل، والعدل على الظلم، والكرامة على الاستبداد.
أمس, 23:43 الأربعينية... حين تُوحِّد كربلاء الإنسانية ويكتب العراق ملحمة العطاء
د.محمد عصمت البياتيأمس, 12:08 عندما تتحدث الأرقام .. هل آن الأوان لإنقاذ اليمن وإعماره ؟
د.رعدهادي جبارة2-08-2026, 20:06 ما أهون الأرواح في زمن البعث
د. عطور الموسوي30-07-2026, 14:38 أربعينية الإمام الحسين (ع) مسيرة الإصلاح في مواجهة الظلم والطغيان
د. وليد الحلي