• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

كيف تنزلق الدول الى الفوضى؟

كيف تنزلق الدول الى الفوضى؟

  • اليوم, 10:41
  • مقالات
  • 17 مشاهدة
ابراهيم العبادي

"Today News": بغداد 

لا تنزلق الدول إلى الفوضى دفعة واحدة، ولا تبدأ الفوضى عندما تنزل الجماهير إلى الشوارع أو تتوقف المؤسسات عن العمل، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال تراكم مقدمات تبدو في البداية منفصلة عن بعضها: أزمة مالية، فساد مستفحل، ضعف في سيادة القانون، تعدد مراكز صنع القرار، وجود قوى مسلحة خارج الإطار المؤسسي، نفوذ خارجي متعارض، انسداد سياسي، تآكل المؤسسات، واحتقان اجتماعي يتزايد معه الاستعداد الشعبي للاحتجاج.
 الاحتجاج الشعبي في ذاته ليس فوضى؛ فهو أحد أشكال التعبير السياسي الطبيعي، لكن ثمة خطر يبدأ عندما يتزامن الاحتجاج المشروع مع عجز الدولة عن الاستجابة، وانسداد قنوات المشاركة والتغيير، واستثمار القوى السياسية للغضب الاجتماعي في صراعاتها، وعندما تصبح مؤسسات الدولة غير قادرة على إدارة التناقضات أو إنتاج حلول مقبولة.
في مثل هذه البيئة تبدأ حلقات الأزمة بالتفاعل: الأزمة المالية تنتج عجزاً في الإنفاق والخدمات والوظائف، والفساد يستنزف الموارد ويقوض الثقة، وضعف القانون يشجع على تجاوز المؤسسات، وتعدد مراكز القوة يضعف القرار المركزي، فيما يحول النفوذ الخارجي الدولة إلى ساحة لتعارض المصالح. ومع اتساع الفجوة بين مطالب المجتمع وقدرة الدولة على تلبيتها، تتسع مساحة الاحتجاج والاستقطاب والممارسات الشعبوية، ويصبح العلاج والإصلاح أكثر صعوبة، ويتحول النظام تدريجياً من إدارة الأزمات إلى إدارة الانسداد.
التاريخ الحديث يقدم لنا نماذج متعددة لما يمكن أن يحدث عندما تتراكم هذه المقدمات دون قدرة مؤسسية على احتوائها. ففي زمن  جمهورية فايمر الألمانية في عشرينيات القرن العشرين التي سادت فيها الفوضى السياسية والصراعات متعددة الاشكال والمطالب الاجتماعية الواسعة انفتح المجال لوعي مأزوم يريد الخلاص من هذا الواقع المؤلم ،فتم تقويض الديمقراطية تدريجيا ،ولم يكن انهيار النظام الديمقراطي نتيجة عامل واحد، وإنما جاء بعد سنوات من الاضطراب السياسي والأزمات الاقتصادية والتضخم والاستقطاب الحاد وتراجع الثقة بالنظام، ثم جاءت أزمة الكساد الكبير نهاية العشرينيات لتعمق الانهيار الاجتماعي والسياسي، حتى انتهى الأمر إلى سقوط الجمهورية وصعود هتلر إلى السلطة.
وفي روسيا القيصرية، تراكمت مشكلات الحكم وضعف المؤسسات السياسية والتفاوت الاجتماعي والأزمات الاقتصادية قبل واثناء وبعد الحرب العالمية الاولى ، فانفجرت الأزمة في ثورة 1917، ولم يعد النظام القيصري قادراً على احتواء الصراع المتراكم.
في إسبانيا، أدى الاستقطاب السياسي والاجتماعي الحاد، وضعف الاستقرار المؤسسي، والصراع حول طبيعة الدولة والجيش والدين والإصلاح الاجتماعي، إلى تراجع القدرة على إدارة الخلاف بالوسائل السياسية، وانتهى الأمر بالحرب الأهلية عام 1936. أما تشيكوسلوفاكيا فكانت حالتها مختلفة، إذ تعرضت الدولة لضغوط داخلية وخارجية متزامنة، وبلغت الأزمة ذروتها مع أزمة اقليم  السوديت الناطق باللغة الالمانية  واتفاق ميونيخ عام 1938الذي الحق الاقليم بالمانيا الهتلرية ، فأنكشفت هشاشة  الدولة  وعدم قدرتهاعلى حماية نظامها السياسي في مواجهة الضغوط الخارجية.
هذه الأمثلة لا تعني أن التاريخ يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، لكنها تؤكد حقيقة واحدة: الفوضى لا تظهر من فراغ، وإنما تسبقها عادةً مرحلة طويلة من تآكل المؤسسات، وتراكم الأزمات، وانقسام المجتمع، وتراجع الثقة بالدولة، وتعدد مراكز القوة، وعجز النظام السياسي عن إنتاج حلول للأزمات التي تتوالد داخله.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكننا قراءة الحالة العراقية الراهنة، حيث تتقاطع الأزمة المالية مع الفساد، وضغط الوظائف العامة مع المطالب الاجتماعية، وتعدد مراكز القوة مع وجود الفصائل المسلحة، فيما يتداخل النفوذ الإيراني والأمريكي مع الحسابات الداخلية، وتتراجع قدرة المؤسسات على التماسك أمام ضغط الشعبوية. إن اجتماع هذه العوامل لا يعني أن العراق ذاهب حتماً إلى الفوضى، لكنه يعني أن مقدمات الانزلاق إليها تستحق أن تُقرأ بجدية وتقدير مخاطر عالي ، قبل أن تتحول من مؤشرات إلى واقع لاسمح الله .

أخر الأخبار