• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

لماذا يحتج العراقيون .. سوسيولوجيا الاحتجاج العراقي العراقي

لماذا يحتج العراقيون .. سوسيولوجيا الاحتجاج العراقي العراقي

  • اليوم, 12:34
  • مقالات
  • 28 مشاهدة
ابراهيم العبادي

"Today News": بغداد 

ماكان  الاحتجاج في العراق حدثاً عابراً في الحياة السياسية، ولا استجابة ظرفية لسوء الخدمات أو البطالة أو تراجع مستويات المعيشة، لقد  أصبح الاحتجاج مساراً اجتماعياً متكرراً يكشف عن خلل عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤشر الى  أتساع الفجوة بين تطلعات العراقيين وطبيعة النظام السياسي الذي يدير شؤونهم. جاءت تظاهرات الخامس والعشرين من تشرين الأول، وما تحمله من استعادة لذاكرة تشرين 2019، لتعيد القراءة السوسيولوجية لظاهرة الاحتجاج ، ولتتجاوز جدل  أعداد المتظاهرين وشعاراتهم ،  إلى البحث في أسباب تكرار الاحتجاج، ومساحة تأثيره، وعجزه حتى الآن عن إحداث تحول بنيوي في نظام الحكم.
يمكن قراءة هذه الظاهرة من خلال نظرية الحرمان النسبي في بعض المقاطع الزمنية وليس على امتداد سني الاحتجاج السياسي ، هذه النظرية  تفسر الاحتجاج حينما تتسع المسافة بين ما يتطلع إليه الأفراد وما يعتقدون أنهم يستحقونه أو يستطيعون بلوغه. فالشباب العراقي قد  لا يعاني الحرمان المادي بشكل شامل ، لكنه يعاني من  الحرمان من الفرص والعدالة وتكافؤ المواطنة، ويرى كيف تتحول الدولة ومواردها إلى مجال لتوزيع المنافع الحزبية والفئوية بطريقة زبائنية ممقوتة ، فيما تتراجع كفاءة المؤسسات وتتقلص فرص المشاركة الحقيقية. ان ذلك يكرس  الشعور بالغبن ويحوله من حالة فردية إلى إدراك جمعي ،ولاتعود المشكلة  في إخفاق مسؤول أو حكومة بعينها، بل في منظومة سياسية تعيد إنتاج أسباب الإخفاق.
لكن الحرمان النسبي، مهما اتسع، لا يكفي وحده لتفسير استمرار الاحتجاج أو تعثر نتائجه. فذلك يتطلب النظر إلى قدرة المجتمع على تحويل المظالم المتفرقة إلى مطالب مشتركة، وإلى طبيعة النظام السياسي الذي يواجه هذه المطالب. لقد تجاوزت احتجاجات تشرين 2019 المطالبة بالوظائف والخدمات إلى نقد المحاصصة والفساد واحتكار الأحزاب للسلطة، وطرحت أسئلة جوهرية عن الدولة والمواطنة والسيادة. غير أنها اصطدمت بمنظومة متعددة مراكز النفوذ، تمتلك موارد مالية وتنظيمية ومؤسسية، وتستطيع امتصاص الضغوط وتقديم تنازلات محدودة ، من دون تغيير القواعد التي تعيد إنتاج سلطتها (قانون الانتخابات مثالا ) .
وتكشف التجربة العراقية عن مفارقة مهمة اذ تتسع المطالب الاحتجاجية في مقابل ضعف القدرة التنظيمية على تحويلها إلى مشروع سياسي مستدام. فقد منح الطابع الأفقي لحركة تشرين  استقلالاً عن الأحزاب التقليدية، لكنه جعلها أكثر عرضة للتشظي وصعوبة اتخاذ القرار وتحديد الأولويات وبناء قيادة تمثيلية موثوقة. ولم يكن غياب القيادة وحده سببا لتعثر التجربة، لكنه أسهم في إضعاف قدرتها على التفاوض ومتابعة المطالب ومحاسبة السلطة على تنفيذ التزاماتها. فالتعبئة الشعبية قادرة على إحداث صدمة سياسية وأخلاقية، لكن تحويلها إلى تغيير في قواعد الحكم يتطلب تنظيماً مدنياً مستداماً، وبرنامجاً واضحاً، وآليات للتمثيل والمساءلة، من دون الارتهان للأحزاب التي قامت الاحتجاجات أصلاً على قاعدة نقدها وفضحها .
يمكن العودة الى  مفهوم الهابيتوس لدى  عالم الاجتماع بيير بورديو الذي استفدنا من مضمونه في المقالات السابقة ، لفهم جانب آخر من المشكلة. فالهابيتوس هو (مجموعة الاستعدادات والتصورات والعادات التي يكتسبها الأفراد عبر تجاربهم الاجتماعية، وتؤثر في طريقة تفكيرهم وتصرفهم من دون أن يحتاجوا في كل مرة إلى قرار واع ) .
وفي الحالة العراقية، أسهمت سنوات المحاصصة والولاءات الحزبية والفئوية في تطبيع تصور يرى الحزب بوابة للوظيفة والنفوذ، والسلطة وسيلة للحصول على المنافع، ومؤسسات الدولة مجالاً لتقاسم الموارد. ومع تكرار هذه الممارسات، لا تعود المشكلة مقتصرة على فساد بعض المسؤولين، بل تمتد إلى قواعد سلوكية وسياسية يجري إنتاجها وإعادة إنتاجها داخل المجتمع ومؤسسات الحكم.
في الجهة المقابلة ، يعبر الاحتجاج الشبابي عن محاولة لمراجعة هذه القواعد وكسر ما أصبح مألوفاً في الحياة السياسية. فحين يطالب الشباب بالمواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص، فإنهم لا يعترضون على أشخاص بعينهم فحسب، بل يرفضون أن تكون الحقوق مرتبطة بالانتماء الحزبي أو الطائفي، وأن يصبح الوصول إلى الدولة مشروطاً بالولاء لجماعات النفوذ. غير أن ظهور وعي احتجاجي جديد لا يعني أن قواعد السلوك القديمة قد تغيرت أو أختفت ، فالتغيير في الوعي أيسر من تحويله إلى مؤسسات وممارسات مستقرة ، وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية في الانتقال من الاحتجاج على النظام إلى القدرة على تغيير طريقة عمله.
قد تساعد المقارنة مع فرنسا وغيرها من البلدان ، على توضيح خصوصية الحالة العراقية ، فقد أظهرت احتجاجات السترات الصفراء ثم تظاهرات الطلبة والفئات الفقيرة  في فرنسا ، الجذر المشترك للاحتجاج بين  مجتمعات الديمقراطيات الراسخة والديمقراطيات الشكلية ، فجميع حكومات  هذه الدول  ليست بمنأى عن الغضب الاجتماعي ، حين يشعر المواطنون بأن السياسات الاقتصادية لا تنصفهم، أو أن المؤسسات السياسية لا تصغي إليهم. لكن الاحتجاج في العراق يواجه معضلة أعمق ، فهو لا يقتصر على السخط والغضب والاعتراض على قرارات حكومية أو سياسات اقتصادية، بل يتصل بطبيعة النظام السياسي وعمله وقيمه، سواء في ضعف سيادة القانون، وفي تعدد مراكز القرار، ووجود جماعات مسلحة تنازع الدولة سلطتها، فضلاً عن تأثير الولاءات والارتباطات الخارجية في القرار الوطني. ولذلك تتجاوز المطالب العراقية تحسين الأداء الحكومي فحسب  إلى استعادة الدولة لقدرتها على احتكار السلاح، وصيانة السيادة، ومكافحة الفساد والمحاصصة، وإخضاع مؤسسات الحكم لمنطق الدولة والقانون، لا لمنطق الجماعات والمصالح الخاصة.
إن أهمية تظاهرات الخامس والعشرين من تشرين الأول لا تتحدد بإعداد من شارك فيها ، ولافي  استعادتها لشعارات تشرين الاولى ، بل بما تكشفه عن تطور الوعي الاحتجاجي وقدرته على التعلم من التجربة السابقة. فالذاكرة الجمعية يمكن أن تتحول إلى مصدر للخبرة السياسية، غير انها  تبقى أيضاً ذاكرة للخيبة إذا لم تقترن بمراجعة أسباب التعثر وبناء أدوات جديدة للفعل. فما هو مطلوب  ليس استنساخ تشرين، انما التعلم من اخفاقاتها و تجاوز حدودها التنظيمية والسياسية، وتحويل المطالب العامة إلى برنامج مدني حقوقي واضح، يحدد الأولويات والمسؤوليات، ويجعل الاستجابة قابلة للقياس والمحاسبة، ويحافظ على استقلال الحركة وسلميتها.
إن الاحتجاج العراقي ليس أزمة شارع، بل تعبير عن أزمة أعمق في العلاقة بين المجتمع والدولة المختلة اصلا لصالح القوى الحاكمة المتسلطة ، وعن نظام سياسي لم يستطع تحويل المشاركة الانتخابية إلى تمثيل فعلي، وفي الاستفادة من الثروة العامة وترجمتها الى  تنمية حقيقية وليست شكلية ،وفي توظيف التعددية نحو بناء  مواطنة متساوية. وإذا كانت التظاهرات تتراجع أحياناً من دون أن تحقق أهدافها، فإن ذلك لا يعني زوال أسبابها؛ فالمظالم التي لا تعالجها السياسات العامة تتحول إلى ذاكرة اجتماعية متراكمة، وقد تعود في موجات احتجاجية جديدة. والسؤال المتكرر هو كيف نفهم دوافع العراقيون الى الاحتجاج مرة بعد  أخرى؟ ،ولماذا تعجز السياسة عن معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى الاحتجاج؟ ، ولماذا تظل الدولة، بعد كل هذه التجارب، عاجزة عن استعادة ثقة المجتمع؟  .هذه هي الاسئلة الجوهرية التي ينبغي ان يفكر بها مجتمع النخبة الذي يتجادل في الاروقة الخاصة ولايهتدي الى مشاريع عمل واعدة .

أخر الأخبار