تكرر الانماط الاجتماعية والسياسية في العراق - الحلقة الثالثة -
"Today News": بغداد
إذا كانت العودة إلى الكوفة لا تعني القول إن العراقي المعاصر هو امتداد مباشر للكوفي القديم، فإن السؤال الذي يرتبط بهذه المقدمة هو: كيف يمكن لبعض الأنماط التاريخية أن تعود إلى الظهور في أزمنة مختلفة، رغم تغير الأشخاص والأنظمة والظروف؟
إن التاريخ لا ينتقل من جيل إلى آخر بصورة آلية، ولا تورث المجتمعات تجاربها كما تورث الصفات البيولوجية، لكن بعض الخبرات التاريخية يمكن أن تتحول إلى رموز وذاكرة، ثم تدخل في الثقافة والتنشئة الاجتماعية، وتصبح جزءاً من الطريقة التي يفهم بها المجتمع نفسه وماضيه وعلاقته بالسلطة والآخر. ومن هنا يمكن أن تتفاعل الذاكرة الجمعية مع الهابيتوس، ومع ما يسميه يونغ «اللاشعور الجمعي»، لتكوين طبقات عميقة من الوعي الاجتماعي لا تظهر دائماً بصورة مباشرة، لكنها قد تؤثر في السلوك عندما تتشابه الظروف أو تتجدد الأزمات.
هل بقيت في الاجتماع العراقي بعض البنى الثقافية والسياسية التي تجعل أنماطاً معينة من التفكير والممارسة قابلة لإعادة الإنتاج كانت موجودة في الكوفة التاريخية ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الحذر من التعميم. فلا يمكن القول إن الزعاماتية المعاصرة مثلا هي ببساطة استمرار للزعاماتية الكوفية، أو أن الانقسامات السياسية الحالية هي نسخة من انقسامات الماضي. فالعراق الحديث تشكل تحت تأثير عوامل تاريخية كبرى لم تكن موجودة في الكوفة: الدولة الحديثة، الاستعمار، الاقتصاد النفطي، نشوء الجيش، الانقلابات، الأيديولوجيات الحديثة، الحروب، العقوبات، ثم الاحتلال الأميركي وبناء النظام السياسي بعد 2003.
لكن هذه العوامل الحديثة لم تعمل فوق أرض اجتماعية فارغة، بل تفاعلت مع بنى ثقافية واجتماعية أقدم منها.
هنا تظهر أهمية العودة الى دراسة النموذج الكوفي. فهو لا يقدم لنا تفسيراً جاهزاً للعراق، وإنما يساعدنا على اكتشاف بعض الأنماط التي يمكن أن تتكرر عندما تتوافر لها بيئة مناسبة: قوة الولاءات الأولية، شخصنة السياسة، التنافس بين الزعامات، صعوبة الفصل بين العقيدة والموقف السياسي، تحويل الاختلاف إلى صراع على الشرعية، والميل إلى النظر إلى السياسة بوصفها صراعاً بين جماعات لا مجرد تنافس بين برامج ومصالح.
من أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذه البنى ، أن يصبح المجتمع شديد الوعي في السياسة وقضاياها ، لكنه ضعيف القدرة على إنتاج مؤسسات سياسية مستقرة. أي أن تكون لديه طاقة عالية على الاحتجاج والتعبئة والتضحية والصراع، من دون أن تتحول هذه الطاقة بالضرورة إلى قواعد مستقرة لإدارة الاختلاف أو إلى مؤسسات تتجاوز الأشخاص والجماعات.
وهذه المفارقة تستحق التوقف عندها: فالمشكلة ليست دائماً في غياب الوعي السياسي، وإنما قد تكون أحياناً في نوع الوعي السياسي نفسه؛ وعي شديد الارتباط بالهوية والذاكرة والزعامة والشرعية الرمزية، لكنه أقل قدرة على تحويل الاختلاف إلى تسوية، وتحويل القوة الاجتماعية إلى مؤسسة، وتحويل التضحية إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار.
بناء على ذلك، يمكن أن نفهم لماذا ظل سؤال العدالة حاضراً في الوعي العراقي، بينما ظل سؤال الدولة ومؤسساتها أكثر اضطراباً وأقل وضوحا ؟. ولماذا يمكن أن تكون هناك حساسية شديدة تجاه الظلم ؟، وفي الوقت نفسه صعوبة في الاتفاق على قواعد مشتركة لإدارة المصالح المتعارضة في اطار دولة ينبغي ان تكون حامية ومنظمة لمصالح جميع الفرقاء والتيارات .
لا ينبغي أن نحمّل الكوفة مسؤولية ما حدث للعراق بعد أكثر من ألف عام، فهذا يناقض المنهج التاريخي نفسه. المطلوب هو أن نقرأ الكوفة بوصفها نموذجاً مبكراً لتكوين اجتماع سياسي عراقي، ثم نبحث في ما إذا كانت بعض أنماط ذلك الاجتماع قد وجدت، في مراحل لاحقة، ظروفاً تسمح بإعادة إنتاجها.
فالذاكرة لا تعيد الحدث كما وقع، وإنما تعيد تفسيره. والهابيتوس لا يكرر الماضي كما هو، وإنما يعيد إنتاج بعض الاستعدادات بصورة جديدة. واللاشعور الجمعي، وفق تصور يونغ، لا يعمل كخزان للوقائع التاريخية، بل يتعلق بالصور والرموز والنماذج العميقة التي يمكن أن تستثار في التجربة الجمعية.
وعندما تجتمع هذه المستويات الثلاثة ــ الذاكرة، والهابيتوس، والرمز ــ مع ظروف سياسية مأزومة، يمكن لبعض أنماط السلوك القديمة أن تظهر في ثوب حديث.
أصل الى نتيجة اساسية وهي ان دراسة الكوفة ذات صلة مباشرة بمشكلة العراق المعاصر: ليس لكي نبحث عن ماضٍ نلومه، وإنما لكي نفهم حاضراً نريد تغييره.اذ ثمة اخفاق كبير في وعي التجربة التاريخية واستخلاص العبر والدروس منها ، لقد ظلت الكوفة نموذجا لاجتماع مديني عصي على الاستقرار ،اجتماع تتكرر فيه المشكلات بجوهر متشابه ؛العلاقة المضطربة مع السلطة ،والحيوية المفرط في مقاربة السلطة والحكم والسياسة من منظورات ايديولوجية .
فالتحول السياسي الحقيقي لا يبدأ فقط من تغيير الحكومات أو القوانين، وإنما يبدأ أيضاً من القدرة على اكتشاف البنى العميقة التي تعيد إنتاج السلوك السياسي نفسه. وإذا كانت بعض أزمات الدولة العراقية تتكرر لأن المجتمع والنخب يعيدان إنتاج طرائق قديمة في التفكير بالسلطة والشرعية والزعامة والاختلاف، فإن الإصلاح لا يمكن أن يكون مؤسسياً فقط، بل يحتاج أيضاً إلى مراجعة ثقافية وفكرية لهذه الأنماط.
من ذلك نصل إلى السؤال الأهم الذي تتركه لنا الكوفة: هل يستطيع المجتمع العراقي أن يتحرر من الذاكرة عندما تتحول من مصدر للهوية إلى مصدر لإعادة إنتاج الصراع؟ وهل يستطيع أن يحتفظ بتاريخه ورموزه وتضحياته، من دون أن يجعلها عائقاً أمام بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة والمؤسسة والقانون؟
ربما تكون هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها البحث في الحلقة المقبلة: الانتقال من «الكوفة بوصفها نموذجاً تاريخياً» إلى «الكوفة بوصفها ذاكرة سياسية»، ثم البحث في الكيفية التي انتقلت بها بعض رموزها وتجاربها إلى الوعي العراقي الحديث، وكيف يمكن أن نميز بين التاريخ الذي يصنع الوعي، والتاريخ الذي يتحول إلى قيد على الوعي.
8-10-2026, 12:57 قفزة بأسعار المواد الغذائية بعد رفع قيمة الدولار
اليوم, 10:34 تكرر الانماط الاجتماعية والسياسية في العراق - الحلقة الثالثة -
ابراهيم العبادي5-10-2026, 10:59 الحفر المعرفي في البيئة الاجتماعية التي تتكرر في التاريخ العراقي .. بيئة مجتمع الكوفة منذ التأسيس الأول 2
ابراهيم العبادي29-09-2026, 11:06 بعد خروج القوات الأميركية .. السيادة العراقية من منظور الفلسفة الحضارية
محمد عبد الجبار الشبوط27-09-2026, 13:14 القداسة بين اللفظ والمفهوم .. رؤية قرآنية
عبدالأمير الهماشي