العراق في لحظة تضاؤل الخيارات
"Today News": بغداد
في السياسة، ليست المشكلة في صدور المطالب فحسب ، بل في التوقيت والسياق والجهة التي تصدر عنها. ما يُتداول عن جواب وزارة الخارجية الأمريكية إلى السفارة العراقية في واشنطن بشأن الموقف من ترشيح السيد نوري المالكي لمنصب رئيس وزراء العراق — والمتضمن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة، ونزعه من الفصائل المسلحة ، وإصلاح القضاء والاقتصاد، ومنع التأثير والنفوذ الإيراني — يضعنا أمام مفارقة عراقية مألوفة: مطالب خارجية تمس جوهر الدولة، تبدو اجمالا صحيحة في مضمونها، إشكالية في صدورها.
لا يمكن إنكار أن حصر السلاح بيد الدولة شرط بديهي لأي كيان سياسي يسعى إلى الاستقرار والسيادة الفعلية. ولا يمكن المجادلة بأن إصلاح القضاء والاقتصاد ضرورة وجودية لا ترفًا سياسيًا. كما أن الحد من تغوّل أي نفوذ خارجي، أياً كان مصدره، هو من مقتضيات الاستقلال الحقيقي. لكن الإشكال لا يكمن في صحة هذه العناوين، بل في كونها تأتي بصيغة إملاءات من دولة كبرى، بما يجرح الحسّ السيادي ويستفز خطاب الكرامة الوطنية الذي يرفعه كثيرون.
غير أن السؤال الأعمق: لماذا تصبح بديهيات بناء الدولة مطالب خارجية؟ وكيف تحوّل ما يفترض أن يكون برنامجًا وطنيًا خالصًا إلى ورقة ضغط في التفاوض الإقليمي؟
الفرص أمام العراق تضيق. الدولة التي خرجت من 2003 وهي تعِد بإعادة التأسيس، تبدو اليوم مثقلة بالترهل وانعدام الفاعلية. الفساد لم يعد انحرافًا عن القاعدة، بل صار جزءًا من البنيةالسياسية . اقتسام الوزارات والمؤسسات حزبيًا لم يعد خرقًا، بل أصبح عرفًا سياسياً مستقراً. ومع كل دورة انتخابية، يتجدد الخطاب الأخلاقي ذاته: مكافحة الفساد، إنهاء المحاصصة، بناء الدولة. لكن النتائج تتكرر بذات الصورة وتزداد سوءا .
السياسيون يتحدثون بصوتين: صوت إلى الشعب، يندد بالمحاصصة ويشجب الفساد، وصوت داخل البنية العميقة للحزبية، يكرّس نظام الغنيمة ويعيد توزيع المناصب والموارد. ليست المشكلة في النيات المعلنة، بل في بنية سياسية تغتنم الدولة بدل أن تخدمها، وتتعامل مع الوزارات باعتبارها حصصًا لا مؤسسات. هنا تكمن المفارقة: الجميع ضد الفساد خطابًا، والجميع أسير نظام ينتجه فعلاً.يقبلون به ويتعايشون معه بل هو جزء اصيل من التفاوض السياسي المتواصل .!!
في عام 2022، طرح وزير المالية الأسبق علي علاوي ما عُرف بـ«الورقة البيضاء» للإصلاح الاقتصادي، بوصفها خريطة طريق لتصحيح المسار المالي والإداري. لم تكن الوثيقة مثالية، لكنها كانت محاولة جادة لوضع اليد على مكامن الخلل البنيوي: تضخم القطاع العام، هشاشة الإيرادات غير النفطية، اختلال هيكل الرواتب، وغياب الرؤية الإنتاجية وتحول الفساد من ظاهرة الى بنية عميقة ،حذّر علاوي يومها من مخاطر الاستمرار في المسار ذاته لانه جعل العراق كيانا يشبه (الزومبي )، وامست الدولة تسير نحو مأزق مالي واقتصادي عميق. لم تُقابل الورقة برفض علني صريح، لكنها أُفرغت عمليًا من محتواها، لأن الإصلاح الحقيقي يصطدم بمصالح راسخة داخل النظام السياسي.
اليوم، ومع تعقّد المشهد الجيوسياسي في المنطقة، تبدو المعادلات أكثر قسوة. التوتر المتصاعد، واحتمالات المواجهة الواسعة مع إيران، وقرار واشنطن المعلن بقطع أشكال التأثير والنفوذ الإيراني في الإقليم، كلها عوامل تضع العراق في قلب العاصفة. العراق ليس تفصيلاً في الصراع، بل ساحة محتملة لتصفية الحسابات. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي خطاب السيادة، ولا تنفع بيانات التنديد.
الدعوات إلى الإصلاح والتغيير تبدو، حتى الآن، أصواتًا ضائعة في البرية. لكن الخطر لم يعد سياسيًا فحسب؛ الاقتصاد يترنح تحت وطأة الاعتماد الأحادي على النفط، القانون يتآكل أمام سطوة النفوذ، والمجتمع يتآكل تحت ضغط انماط ثقافية وانساق سياسية بليدة وانسداد في الرؤى والافاق . حين تقترب الأزمات من تهديد بنية الدولة ذاتها، يصبح الإصلاح خيار بقاء لا شعارًا انتخابيًا.
قد تبدو «الصدمة» فكرة قاسية، لكن المجتمعات أحيانًا لا تستفيق إلا تحت ضغط عالٍ. ليس المقصود صدمة عسكرية أو انهيارًا شاملاً، بل صدمة وعي سياسي ومجتمعي تدرك أن استمرار المسار الحالي يقود إلى تفكك تدريجي صامت. الضغط الخارجي، مهما كان مصدره، لن يبني دولة إذا لم تتوافر إرادة داخلية. لكنه قد يفضح هشاشة الداخل ويجبر النخب على مواجهة الأسئلة المؤجلة.
إن جوهر المسألة ليس في قبول المطالب الأمريكية أو رفضها، بل في استعادة المبادرة الوطنية. أن يكون حصر السلاح بيد الدولة قرارًا عراقيًا قبل أن يكون بندًا في رسالة خارجية. وأن يكون إصلاح القضاء والاقتصاد استحقاقًا داخليًا لا شرطًا دوليًا. وأن يُعاد تعريف السيادة بوصفها قدرة على القرار المستقل، لا مجرد شعار يُرفع في مواجهة ضغوط انتقائية.
العراق اليوم أمام لحظة تضييق خيارات. إما أن تُستثمر الضغوط لإطلاق إصلاح حقيقي يعيد للدولة فاعليتها وهيبتها، أو أن يستمر الدوران في الحلقة ذاتها حتى تُفرض التغييرات من خارج الإرادة الوطنية. بين هذين المسارين، يتحدد معنى السيادة الحقيقي، لا في الخطب، بل في القرارات الصعبة التي تعيد بناء الدولة على أسس القانون والكفاءة والمصلحة العامة.
21-02-2026, 13:50 سيناريو مخيف .. العراق يخسر 90% من ايراداته بإغلاق مضيق هرمز
اليوم, 14:34 العراق في لحظة تضاؤل الخيارات
ابراهيم العباديأمس, 23:13 التحديات التي تواجه الصائمين في شهر رمضان بين البعد الجسدي والسمو الروحي
د. وليد الحلي17-02-2026, 10:47 الصيام .. منهج رباني لإحياء الضمائر الحية وتعزيز صحة الصائم
د. وليد الحلي16-02-2026, 11:13 كيف يقرأ العراقيون المخاطر ؟
ابراهيم العبادي