يموت الإمام… ولا تموت الإمامة
"Today News": بغداد
في مسيرة الأمم لحظاتٌ موجعة، يترجّل فيها العظماء عن صهوات الزمن، فيظنّ البعض أن الرحيل نهاية الحكاية. لكن سنن التاريخ أعمق من أن تُختزل في غياب جسد، وأوسع من أن تُقاس بعمر إنسان. يموت الإمام… ولا تموت الإمامة. يموت القائد… ولا تموت القيادة. يموت المرجع… ولا تموت المرجعية. لأن الفكرة أكبر من الأشخاص، والرسالة أعمق من الأعمار، والمنهج لا يُختزل في جسدٍ مهما عظم قدره وارتفع شأنه.
لو كان الإسلام مرهونًا بشخص، لانتهى باستشهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله، يوم ارتجّت المدينة حزنًا، وذهل الصحابة لهول الفاجعة. لكن الرسالة التي جاء بها لم تكن مشروع فرد، بل كانت هداية أمة، فاستمرت، وانتشرت، وتعاظمت، حتى غدت حضارةً تُنير الآفاق. لقد غاب الجسد الشريف، وبقي القرآن، وبقي المنهج، وبقيت القيم التي صنعت أمةً من رعاةٍ متفرقين.
ولو كان التشيّع مرهونًا بشخص، لانتهى باستشهاد علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو الذي مثّل ميزان العدالة، وصوت الحق في زمن الفتن. لكن خطّه بقي، ومدرسته امتدّت، ونهجه أصبح معيارًا يُقاس به الرجال والمواقف. تحوّل الإمام من قائدٍ في زمنه، إلى قيمةٍ معياريةٍ عابرةٍ للأزمنة؛ يُستحضَر اسمه كلما اختلط الحق بالباطل، وكلما احتاجت الأمة إلى بوصلةٍ أخلاقية.
ولو كانت الثورة مرهونة بشخص، لانتهت باستشهاد الحسين بن علي عليه السلام في كربلاء. لكنها لم تنتهِ، بل بدأت هناك بمعناها العميق. تحوّلت كربلاء من واقعةٍ في سجلّ التاريخ، إلى وعيٍ دائمٍ في ضمير الأمة؛ إلى مدرسةٍ في الكرامة، ومنهجٍ في رفض الظلم، وصرخةٍ خالدةٍ في وجه الطغيان. صار الدم الطاهر لغةً، وصارت التضحية بيانًا، وصار الموقف أمةً تمشي على قدمين.
إن الرجال يصنعون المواقف، لكن المواقف العظيمة هي التي تصنع أمة. القادة يرحلون، والمرجعيات تتبدّل، والأسماء تتعاقب؛ أما القيم التي استشهدوا من أجلها فهي التي تبقى، وتورَّث، وتُجدّد نفسها في كل جيل. فالفكرة الصادقة لا تموت بموت حاملها، بل تتجرّد من محدودية الجسد، وتتحوّل إلى طاقةٍ أخلاقيةٍ متجددة، تتناقلها العقول والقلوب.
لهذا لا نخاف على طريقٍ حُفر بالدم، ولا نقلق على رسالةٍ حفظها الله بالوعي والتضحية. فالحق لا يموت برحيل رجاله، بل يزداد صفاءً كلما امتُحن، ويزداد رسوخًا كلما حاولت العواصف اقتلاعه. إن غياب القائد اختبارٌ للأتباع، وامتحانٌ لصدق الانتماء: هل نحن أبناء الأشخاص، أم أبناء المبادئ؟
وحين ندرك أن الرسالة أكبر من حاملها، نتحرّر من الارتهان للأفراد، ونرتقي إلى مستوى الفكرة. عندها يصبح الوفاء للشهداء ليس بكثرة البكاء عليهم، بل بالثبات على ما ضحّوا لأجله؛ ليس بتعليق صورهم على الجدران، بل بترسيخ مبادئهم في السلوك والقرار والموقف.
يموت الإمام… ولا تموت الإمامة. يموت القائد… ولا تموت القيادة. لأن الرسالات التي تُكتب بالدم، لا تُمحى بالحبر، ولأن القيم التي تُسقى بالتضحية، لا تذبل برحيل أصحابها. هكذا تبقى الأمة حيّةً ما بقي فيها من يؤمن بأن الفكرة أسمى من الأشخاص، وأن الحق أكبر من كل الأسماء.
24-02-2026, 17:25 بضمنها أراض تركية.. لماذا يريد سفير أمريكا منح النيل والفرات لإسرائيل؟
22-02-2026, 21:25 أكثر من 90 منطقة في "الدائرة الحمراء".. تحذيرات نيابية من صيف مائي كارثي
اليوم, 20:10 يموت الإمام… ولا تموت الإمامة
د. محمد عصمت البياتي26-02-2026, 00:38 "لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ" .. فقه التوازن في العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية
د.رعدهادي جبارة24-02-2026, 15:45 إنها مرحلة قوة علي وليست مرحلة استضعاف الحسين
علي المؤمن23-02-2026, 14:34 العراق في لحظة تضاؤل الخيارات
ابراهيم العبادي